العودة إلى المقالات
الاعتراف المنتزع بالإكراه في القانون العراقي: أثره في الإدانة ومصير الأدلة المترتبة عليه

الاعتراف المنتزع بالإكراه في القانون العراقي: أثره في الإدانة ومصير الأدلة المترتبة عليه

مقال قانوني

تثير مسألة الاعتراف المنتزع بالإكراه واحدة من أدق الإشكالات التي تواجه القضاء الجنائي؛ لأن أثرها لا يقف عند حدود القول الذي يصدر عن المتهم تحت وطأة التعذيب أو التهديد، بل قد يمتد إلى أدلة أخرى لم تكن سلطة التحقيق لتصل إليها لولا ذلك القول. فقد يرشد المتهم، وهو واقع تحت الإكراه، إلى مكان أداة الجريمة، أو الأشياء المتحصلة منها، أو موضع جثة، أو مستند، أو شخص ذي صلة بالواقعة، وقد يجري على أساس أقواله كشف الدلالة. وعندئذ لا يعود السؤال مقتصراً على حجية الاعتراف نفسه، وإنما يمتد إلى مصير الدليل الذي اكتُشف بسببه، وما إذا كان بطلان الوسيلة التي أفضت إليه ينعكس على قيمته في الإثبات. وتكمن دقة هذه المسألة في أن العدالة الجنائية تسعى، من جهة، إلى الوصول إلى الحقيقة والكشف عن مرتكبي الجرائم، لكنها لا تستطيع، من جهة أخرى، أن تجعل من انتهاك حرية الإنسان وسلامته الجسدية وسيلة مشروعة لتحقيق هذه الغاية. فالحقيقة القضائية لا تستمد مشروعيتها من مطابقتها للواقع وحده، وإنما من مشروعية الوسائل التي اتبعت في الوصول إليها أيضاً. ولو جاز للسلطات الانتفاع بالنتائج التي تحصل عليها عن طريق التعذيب مع الاكتفاء بإهدار الاعتراف ذاته، لأصبح حظر الإكراه ناقص الأثر، ولتحولت الوسيلة التي حظرها القانون إلى طريق عملي لاكتشاف الأدلة ما دام من الممكن لاحقاً فصل النتيجة عن مصدرها. وقد كشفت الواقعة التي عرفت إعلامياً بـ«قضية سجين بابل» عن مقدار الخطر الذي يمكن أن ينشأ من التعويل على اعتراف لا يصدر عن إرادة حرة. فقد اتُّهم المواطن (ع.ج) بقتل زوجته بعد اختفائها، وظهرت بحقه اعترافات تتعلق بقتلها والتخلص من جثتها، ثم ظهرت الزوجة لاحقاً على قيد الحياة. وبعد الإفراج عنه، أثيرت على نطاق واسع مسألة تعرضه للتعذيب والضغط أثناء التحقيق وانتزاع الاعترافات منه بهذه الوسائل. ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في غرابتها فحسب، بل في أنها تقدم مثالاً عملياً بالغ الدلالة على أن الاعتراف، مهما بدا تفصيلياً، لا يمثل ضمانة للحقيقة بمجرد صدوره عن المتهم؛ إذ قد يقول الإنسان الواقع تحت ألم شديد أو خوف حقيقي ما يعتقد أنه سيؤدي إلى وقف الإيذاء، ولو كان ما يقوله مخالفاً تماماً للواقع. وعند تناول موقع الاعتراف في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل، تظهر بدايةً مسألة اصطلاحية تتصل باستخدام المشرع لفظي «الإقرار» و«الاعتراف». ولا ينبغي النظر إلى المصطلحين باعتبارهما مترادفين على نحو مطلق؛ فالإقرار أوسع من الاعتراف من حيث المضمون. فقد يقر المتهم بواقعة مادية من دون أن يسلم بقيام مسؤوليته الجزائية عنها، كأن يقر بأنه أحدث إصابة أو تسبب في وفاة شخص ثم يتمسك بأن فعله وقع في حالة دفاع شرعي. أما الاعتراف بالتهمة، بمعناه الوارد في أحكام المحاكمة، فيقترب من التسليم بالذنب بعد توجيه التهمة ومجابهة المتهم بالأدلة القائمة ضده. ويظهر هذا التمييز في البناء التشريعي للقانون، إذ استعمل المشرع لفظ الإقرار في عدد من النصوص المتعلقة باستجواب المتهم والأدلة، ومنها المواد (127) و(128/ب) و(213) و(216) و(218) و(219)، في حين ورد لفظ الاعتراف في المادة (181) عند تنظيم موقف المتهم من التهمة أمام محكمة الموضوع. غير أن هذا التمييز لا يعني أن الإقرار الذي يدلى به في التحقيق لا يمكن أن يكون ذا أثر في الإدانة إلا إذا ساندته أدلة أخرى في جميع الأحوال؛ فالمادة (213/ج) تجيز للمحكمة، في حدود القواعد التي تحكم تقدير الأدلة، أن تأخذ بإقرار المتهم إذا اطمأنت إليه، كما تخضع قيمة الإقرار في النهاية لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وسلامة الوسيلة التي صدر بها. أما في مرحلة المحاكمة، فقد عالجت المادة (181) حالة اعتراف المتهم بالتهمة بعد توجيهها إليه، وأجازت للمحكمة، متى اقتنعت بصحة الاعتراف وبإدراك المتهم لنتائجه، أن تنتقل إلى إصدار الحكم وفق الضوابط التي وضعها القانون. ومع ذلك، تظل للجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام أحكامها الخاصة التي تستوجب السير في المحاكمة وسماع الأدلة وفقاً لما نص عليه القانون. ومن ثم لا يمكن بناء التفرقة بين الإقرار والاعتراف على معيار مبسط يتعلق بعدد الأدلة المطلوبة وحده، وإنما يتعين النظر إلى طبيعة القول، والمرحلة التي صدر فيها، ومدى سلامة إرادة صاحبه، فضلاً عن الأحكام الخاصة بكل نوع من الجرائم. وتأتي حرية الإرادة في مقدمة الشروط التي يتعذر تصور إقرار أو اعتراف صحيح من دونها. وقد أقام النظام القانوني العراقي أكثر من مستوى لحماية المتهم من انتزاع أقواله بالقوة. فعلى المستوى الدستوري، حظرت المادة (37/أولاً/ج) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، وقررت عدم الاعتداد بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، فضلاً عن منح المتضرر حق المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي وفقاً للقانون. وهذه الضمانة لا تخاطب المحقق وحده، بل تحدد ابتداءً القيمة القانونية للاعتراف الذي تتدخل وسائل الإكراه في تكوينه. وعلى المستوى الإجرائي، حظرت المادة (127) من قانون أصول المحاكمات الجزائية استعمال أي وسيلة غير مشروعة للتأثير في المتهم للحصول على إقراره، وأدخلت في نطاق الوسائل المحظورة إساءة المعاملة والتهديد بالإيذاء والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير. كما تأتي المادة (218) لتؤكد ضرورة أن يكون الإقرار بعيداً عن الإكراه، وهو ما ينسجم مع الأصل الدستوري القائم على حماية حرية الإرادة في المجال الجزائي. ويقتضي البحث في المادة (218) الانتباه إلى تطورها التشريعي؛ ذلك أن الصياغة الأصلية للقانون كانت تتضمن استثناءات تسمح، في بعض الحالات، بالأخذ بالإقرار على الرغم من وجود إكراه إذا انتفت رابطة السببية بينهما، أو تعزز الإقرار بأدلة أخرى، أو أدى إلى اكتشاف حقيقة. إلا أن هذه الصياغة تعرضت للتعديل بموجب مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (3)، وأزيلت منها تلك الاستثناءات، فأصبح الحكم يقوم على اشتراط ألا يكون الإقرار قد صدر نتيجة إكراه. ولهذا لا يصح في دراسة القانون النافذ بناء النتيجة القانونية على الاستثناء المتعلق بـ«اكتشاف حقيقة ما» وكأنه ما زال جزءاً من المادة بصيغتها المعدلة. ويكتمل البناء القانوني للحماية بالتجريم العقابي الوارد في المادة (333) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، التي جرمت تعذيب المتهم أو الشاهد أو الخبير من قبل الموظف أو المكلف بخدمة عامة بقصد حمله على الاعتراف أو الإدلاء بأقوال أو معلومات أو كتمان أمر أو إعطاء رأي معين، واعتبرت استعمال القوة أو التهديد في حكم التعذيب. وبذلك لا يتعامل القانون مع التعذيب بوصفه مجرد خلل في إجراءات التحقيق يمكن تجاوزه متى كانت النتيجة مفيدة للإثبات، بل باعتباره سلوكاً مجرماً يمس مشروعية الإجراء ذاته. ومع وضوح الحظر من الناحية التشريعية، يبقى إثبات وقوع الإكراه من أكثر المسائل تعقيداً في التطبيق. فقد يتراجع المتهم أمام محكمة الموضوع عن إقرار سبق تدوينه في التحقيق ويدفع بأنه أدلى به نتيجة الضرب أو التعليق أو الصعق الكهربائي أو الحرمان من النوم، أو بسبب التهديد بالمساس بنفسه أو بعائلته أو عرضه. ومجرد التراجع عن الإقرار لا يكفي بذاته لإثبات تعرض صاحبه للإكراه، كما أن وجود إقرار مدون أمام جهة تحقيقية لا يكفي وحده لنفي ادعاء التعذيب. وعلى المحكمة، متى أثير أمامها هذا الدفع بصورة جدية، أن تبحث الظروف التي أحاطت بتدوين الأقوال وأن توازن بينها وبين بقية الأدلة الموضوعية القائمة في الدعوى. ويمكن أن يمثل التقرير الطبي إحدى أهم وسائل إثبات آثار الاعتداء البدني متى أجري في وقت يسمح بتحديدها، كما يمكن أن تؤدي التسجيلات وسجلات التوقيف وشهادات من شاهدوا المتهم قبل الاستجواب أو بعده دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى. وتكتسب الضمانات الإجرائية في هذا المجال أهمية خاصة؛ إذ أوجب القانون استجواب المتهم وفق الإجراءات التي حددها، وإحاطته علماً بالتهمة المسندة إليه، وكفل له ضمانات تتعلق بحقوق الدفاع والاستعانة بمحام، فضلاً عن الدور الذي رسمه قانون الادعاء العام للادعاء العام في الدعوى الجزائية. ولا يؤدي استيفاء هذه الضمانات شكلياً إلى افتراض صحة الإقرار بصورة قاطعة، لكنه يمثل عنصراً مهماً عند تقييم ظروف صدوره. ويشكل مدى تطابق الإقرار مع الوقائع المادية الثابتة في الدعوى أحد أهم المؤشرات على قيمته في الإثبات. فإذا وصف المتهم طريقة معينة لوقوع الجريمة ثم أثبت الطب العدلي أو الكشف الفني أنها وقعت بطريقة مختلفة، أو حدد وقتاً يتعذر التوفيق بينه وبين التاريخ الثابت للحادث، أو ذكر أداة لا تنسجم مع الآثار المادية، فإن هذه التناقضات تنال من الثقة بالإقرار، ولا سيما إذا اقترنت برجوع صاحبه عنه وادعائه تعرضه للإكراه. غير أن التناقض لا ينبغي وصفه في جميع الحالات بأنه دليل قاطع بذاته على وقوع التعذيب؛ فهو عنصر موضوعي يضعف قيمة الإقرار وقد يعزز، مع بقية الظروف والأدلة، الدفع بعدم سلامة إرادة صاحبه. ويبرز هذا المعنى في قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم (55/تراجع متهم عن اعترافه/2006)، الذي تناول حالة متهم اعترف في التحقيق بالمشاركة في خطف المجني عليه وقتله ذبحاً ثم إلقاء جثته في النهر، قبل أن يتراجع أمام محكمة الموضوع مدعياً أن اعترافه صدر نتيجة الضغط والإكراه. وقد تبين للمحكمة وجود تعارض جوهري بين الرواية الواردة في الاعتراف وبين الوقائع المادية في القضية، سواء من حيث طريقة الوفاة أو تاريخ الجريمة، فضلاً عن كون الاعتراف الدليل الوحيد القائم ضد المتهم. وانتهت الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية إلى نقض قرارات الإدانة وإلغاء التهمة والإفراج عنه. ولا تكمن أهمية القرار في اعتبار مجرد الرجوع عن الاعتراف سبباً لإهداره، وإنما في الربط بين هذا الرجوع وبين مخالفة الاعتراف للوقائع المادية وغياب الأدلة التي يمكن أن تعززه. وتظهر الفكرة بصورة أخرى في القرار المرقم (175/تقييم الاعتراف/2007)، الذي تعلق بضابط شرطة نُسب إليه الاتفاق مع مجموعة مسلحة على تسليم مركز الشرطة وتمكينها من الاستيلاء على الأسلحة الموجودة فيه. كان الاعتراف المحرر في مرحلة التحقيق يمثل العنصر الرئيس في الاتهام، غير أن المتهم تراجع عنه أمام المحكمة وذكر أنه صدر تحت تأثير التعذيب والإكراه، كما تبين أن الاعتراف أمام الهيئة التحقيقية دُوّن من دون حضور نائب المدعي العام ومحاميه الذي كان قد وكله، وأن الشهادات القائمة في الدعوى لم تعزز مضمون ذلك الاعتراف، بل تضمنت وقائع تناقضه. وانتهت محكمة التمييز إلى أن الاعتراف بهذه الصورة لا يملك قيمة قانونية تكفي لتأسيس الإدانة، فقررت نقض الحكم وإلغاء التهمة والإفراج عن المتهم. وعلى الجانب الآخر، لا يؤدي مجرد رجوع المتهم عن إقراره أو ادعائه الإكراه إلى سقوط الأدلة الأخرى القائمة في الدعوى. ويقدم القرار التمييزي المرقم (298/اعتراف/2011) مثالاً على ذلك؛ فقد تناول واقعة قتل وسرقة سيارة اعترف المتهم بارتكابها في مرحلة التحقيق ثم رجع عن أقواله أمام المحكمة، إلا أن اعترافه كان قد تعزز بجملة من الأدلة والقرائن، من بينها ضبط سيارة المجني عليه وهاتفه بحيازته بعد مدة قصيرة من وقوع الجريمة، وأقوال الشهود المتعلقة بالتصرف في السيارة، فضلاً عن محاضر الضبط والكشف وكشف الدلالة وغيرها من عناصر الإثبات. ورأت المحكمة أن مجموع هذه الأدلة يكفي لتكوين القناعة القضائية. إلا أن هذا القرار لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل. فهو لا يقرر أن المحكمة أثبتت وقوع التعذيب ثم استبعدت الاعتراف وأبقت الأدلة المتحصلة منه؛ وإنما دار تقديرها حول اعتراف تعزز بأدلة وقرائن أخرى، ولم ترَ أن الرجوع اللاحق عنه يهدر قيمته وقيمة تلك الأدلة. والفارق جوهري بين مجرد الادعاء بالإكراه وبين ثبوت أن الإقرار نفسه كان ثمرة فعل قسري غير مشروع. ففي الحالة الأولى تخضع الدعوى لتقدير المحكمة في ضوء مجموع الأدلة، أما إذا ثبت أن الإقرار وليد الإكراه فإن الاعتراف ذاته يفقد القيمة التي يمكن أن تؤسس عليها الإدانة. ومن هنا يمكن التمييز بين عدة صور عملية عند تحديد أثر الاعتراف المعيب. فإذا ثبت أن الاعتراف صدر نتيجة إكراه ولم يبق في الدعوى بعد استبعاده دليل يكفي للإدانة، تعين طرحه وعدم ترتيب أثر جزائي عليه، ويكون مقتضى القواعد العامة في الإثبات الحكم وفق حالة الأدلة المتبقية، فإذا كانت غير كافية وجب أن تكون النتيجة لمصلحة المتهم. أما إذا كانت في الدعوى أدلة مشروعة مستقلة عن الاعتراف، بمعنى أن مصدرها قائم بذاته ولم يكن الوصول إليها نتيجة الإكراه، فإن بطلان الاعتراف لا يؤدي من حيث الأصل إلى إهدارها لمجرد وجودها معه في ملف الدعوى. والعبرة عندئذ بقدرتها الذاتية، بعد استبعاد القول المعيب، على تكوين القناعة اللازمة للحكم. فالدليل المستقل لا يتحول إلى دليل غير مشروع لمجرد أن المتهم أدلى في موضع آخر باعتراف ثبت بطلانه. وتبقى الصورة الأكثر تعقيداً عندما يكون الاعتراف المنتزع بالإكراه هو الذي قاد مباشرةً إلى اكتشاف دليل مادي جديد. فلو أدى التعذيب إلى كشف مكان السلاح المستخدم في الجريمة، أو موضع جثة لم تكن السلطات تعلم بوجودها، أو مكان أموال أو أشياء مرتبطة بالجريمة، فإن استبعاد الاعتراف الشفهي لا يحسم بالضرورة السؤال المتعلق بالقيمة القانونية لذلك الدليل المادي. وهنا تظهر واحدة من أهم المساحات التي لا يزال النقاش بشأنها يحتاج إلى تأصيل تشريعي واضح في القانون العراقي. ويقارب الفقه المقارن هذه المسألة من خلال ما يعرف بنظرية «ثمار الشجرة المسمومة»، وهي نظرية ارتبطت بصورة بارزة بقواعد استبعاد الأدلة في النظام القانوني الأمريكي، وتقوم في أصلها على أن عدم المشروعية التي تلحق بالدليل الأول قد تمتد إلى الأدلة المشتقة منه متى كانت بينها رابطة سببية ولم يتحقق سبب قانوني يقطع هذه الرابطة. لكن استدعاء هذه النظرية عند تحليل القانون العراقي يقتضي قدراً من التحفظ؛ فهي ليست قاعدة منصوصاً عليها بهذا الاسم في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، ولا توجد في التشريع قاعدة عامة مفصلة تنظم على نحو جامع جميع حالات الأدلة المادية المشتقة من إجراء غير مشروع. ومع ذلك، فإن غياب النص الصريح على النظرية لا يعني أن كل دليل مادي نتج عن التعذيب يصبح مقبولاً حكماً. فالحظر الدستوري للاعتراف المنتزع بالإكراه، والمنع الإجرائي لاستعمال الوسائل غير المشروعة في الاستجواب، والصيغة المعدلة للمادة (218)، فضلاً عن تجريم التعذيب في قانون العقوبات، جميعها تثير سؤالاً جوهرياً عن مدى جواز انتفاع سلطة الاتهام بالنتيجة التي لم يكن لها الوصول إليها إلا عن طريق فعل حرمه الدستور والقانون. فإذا كان الجزاء المترتب على التعذيب ينحصر في حذف الاعتراف من محضر الدعوى، بينما تبقى جميع الأدلة التي أنتجها التعذيب صالحة للاستعمال بلا قيد، فإن الحظر قد يفقد جزءاً مهماً من فعاليته العملية. إذ يمكن عندئذ أن تصبح الوسيلة غير المشروعة ذات منفعة تحقيقية واضحة رغم استبعاد القول الذي انتزع بواسطتها. وهذه النتيجة لا تنسجم بسهولة مع الغاية الحمائية للقواعد التي تحظر الإكراه. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الدليل الذي لم يكن ليُكتشف إلا عن طريق الإكراه وبين الدليل الذي ثبت وجود مصدر مستقل مشروع للوصول إليه. فإذا كانت السلطات قد علمت بمكان السلاح، مثلاً، من شاهد مستقل أو من تسجيل مشروع أو من إجراء تحقيقي سابق، فلا يكفي أن يرد ذكر المكان ذاته في اعتراف معيب حتى يفقد السلاح قيمته في الإثبات. أما إذا كان التعذيب هو السبب المباشر والوحيد الذي كشف للسلطات وجود الدليل ومكانه، فإن التساؤل عن مشروعية الاستناد إليه يصبح أكثر جدية، وتبرز الحاجة إلى معيار قانوني صريح يحسم أثر الرابطة السببية بين الإجراء غير المشروع والدليل المشتق منه. ويتصل بذلك كشف الدلالة، الذي لا يجوز منحه قيمة مستقلة بصورة آلية لمجرد أنه اتخذ شكلاً إجرائياً منفصلاً عن جلسة الاستجواب. فقيمته تتوقف على الظروف التي أدت إليه وعلى حقيقة المعلومات التي قدمها المتهم ومدى كونها صادرة عنه بإرادة حرة. فإذا كان الكشف مجرد تجسيد لاحق لأقوال انتزعت منه تحت الضغط أو إملاء لما سبق أن لقنه القائمون بالتحقيق، فإن انتقاله إلى مسرح الجريمة لا يزيل العيب الذي لحق بالمصدر الذي أدى إلى هذا الإجراء. وفي المقابل، قد تكون لكشف الدلالة قيمة فعلية عندما يكشف المتهم، بإرادة سليمة، تفاصيل لا يعرفها سوى مرتكب الجريمة وتتطابق بعد ذلك مع حقائق مادية ثابتة، شريطة أن يكون الإجراء ذاته قد جرى وفق الضمانات القانونية. ولذلك لا تكمن المسألة في اسم الإجراء أو في وجود محضر رسمي له، وإنما في سلامة المصدر الذي أنتج المعلومة ومدى استقلال الإجراء عن أي إكراه سابق. ولا يصح، تبعاً لذلك، اختزال أثر الاعتراف المنتزع بالإكراه في قاعدة واحدة تطبق آلياً على جميع القضايا. فالاعتراف الذي يثبت أنه نتج عن التعذيب أو التهديد لا يجوز التعويل عليه في الإدانة. وإذا لم يبق بعد استبعاده دليل كافٍ، وجب أن تكون النتيجة لمصلحة المتهم وفقاً لقواعد الإثبات الجزائي. أما إذا بقيت أدلة مستقلة ومشروعة، فإنها تقدر بذاتها من حيث كفايتها وقوتها. وتظل الأدلة التي نشأت مباشرةً عن الإكراه هي المساحة الأكثر حاجة إلى تنظيم تشريعي واضح يحدد أثر عدم المشروعية فيها، ويرسم حدود الدليل المستقل والدليل المشتق من الإجراء الباطل. وتقود هذه المسألة إلى نتيجة أوسع تتعلق بفلسفة الضمانات في الإجراءات الجزائية. فالضمانات القانونية لم توضع لتسهيل إفلات مرتكب الجريمة، كما لا يجوز التعامل معها بوصفها عائقاً أمام عمل أجهزة التحقيق، وإنما وضعت لضمان ألا تصل الدولة إلى الإدانة بطريق يفقد العدالة مشروعيتها. والخطر في التعذيب لا ينحصر في إمكان الحصول على اعتراف كاذب فحسب، بل يمتد إلى قدرته على إنتاج منظومة من الأدلة تبدو متماسكة في ظاهرها لأنها جميعاً نشأت من مصدر واحد معيب: اعتراف تفصيلي، يليه كشف دلالة، ثم محضر ضبط أو إعادة تمثيل للواقعة. وقد يبدو الملف، عند النظر إلى هذه العناصر منفردة، قوياً ومترابطاً، بينما يكون أساسه في الحقيقة قولاً لم يصدر عن إرادة حرة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي أكثر تحديداً في موضوع الأدلة المشتقة من الإكراه. ولا تتمثل الأولوية في إلغاء الاستثناء القديم الذي كان وارداً في المادة (218)، لأن هذا الجزء لم يعد قائماً في الصياغة المعدلة، وإنما في استكمال النظام القانوني بنص يحدد بصورة واضحة أثر التعذيب أو الاستجواب غير المشروع في الدليل الذي ينتج مباشرة عنه، مع وضع معيار يميز بين الدليل المشتق من الانتهاك والدليل الذي يثبت أن له مصدراً مستقلاً مشروعاً. كما يمثل التوثيق الكامل بالصوت والصورة لجلسات استجواب المتهمين، ولا سيما في الجرائم الجسيمة، ضمانة عملية يمكن أن تقلل مساحة النزاع بشأن ظروف صدور الأقوال. فالتوثيق لا يحمي المتهم وحده، وإنما يحمي المحقق كذلك من الادعاءات غير الصحيحة بممارسة الإكراه، ويمنح المحكمة وسيلة موضوعية لتقييم كيفية إجراء الاستجواب بعيداً عن التعارض اللاحق بين رواية المتهم ورواية القائمين بالتحقيق. ولا تكتمل فعالية الحظر القانوني للتعذيب ما لم تقترن بمساءلة جدية عند ثبوت وقوعه. فالمادة (333) من قانون العقوبات لا ينبغي أن تبقى ضمانة منفصلة عن القضية التي حدث فيها الانتهاك، بل يتعين أن يؤدي الادعاء الجدي والمؤيد بقرائن عن التعذيب إلى تحقيق مستقل وفعال، لأن إسقاط الاعتراف المعيب أو نقض حكم الإدانة لا يغني عن بحث المسؤولية الجزائية لمن مارس التعذيب أو أمر به متى توافرت عناصر الجريمة. وخلاصة الأمر أن القانون العراقي يقيم أساساً دستورياً وإجرائياً واضحاً لرفض الاعتراف الذي يثبت صدوره نتيجة الإكراه، وأن تعديل المادة (218) أزال الاستثناءات التي كانت ترد في صيغتها الأصلية وتسمح بالأخذ بالإقرار في بعض الحالات رغم وجود الإكراه. ومع ذلك، لا يزال مصير الأدلة المادية التي تكون ثمرة مباشرة لذلك الإكراه بحاجة إلى تنظيم أكثر دقة، بما يمنع تحول الحظر القانوني إلى قاعدة شكلية يمكن تجاوز غايتها بمجرد استبعاد الاعتراف والإبقاء على جميع النتائج التي ولّدها. فالعدالة الجنائية لا تُقاس فقط بقدرتها على اكتشاف الجريمة ومعاقبة مرتكبها، وإنما كذلك بقدرتها على الوصول إلى هذه النتيجة من دون أن تهدم في الطريق الحقوق التي أنشئ القانون أصلاً لحمايتها. وإذا كان التعذيب فعلاً محظوراً ومجرماً، فإن اكتمال الحماية القانونية يقتضي ألا يصبح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طريقاً مجدياً للوصول إلى الإدانة.

المحامي محمود الدولة الحمداني

الحمداني للمحاماة والاستشارات القانونية
العودة إلى المقالات
الاعتراف المنتزع بالإكراه في القانون العراقي: أثره في الإدانة ومصير الأدلة المترتبة عليه