
البصمة الوراثية (DNA) في دعاوى النسب أمام القضاء العراقي
أحدث التطور المتسارع في علوم الوراثة والطب العدلي تحولًا ملحوظًا في وسائل الإثبات القضائي، وتأتي البصمة الوراثية في مقدمة الوسائل العلمية التي فرضت حضورها في المنازعات ذات الصلة بالهوية والنسب؛ لما تتمتع به من قدرة عالية على الكشف عن الروابط البيولوجية بين الأفراد. غير أن القيمة العلمية لهذا الفحص لا تعني بالضرورة أن نتيجته تنتقل إلى المجال القضائي بالقوة ذاتها؛ لأن النسب، في المنظومة القانونية، لا يمثل مجرد حقيقة بيولوجية، وإنما هو مركز شرعي وقانوني تتفرع عنه آثار تمس الأسرة والميراث والنفقة والحضانة والمحارم والحل والحرمة وغيرها من الحقوق والالتزامات. وتتجلى خصوصية الإشكال في دعاوى النسب أمام القضاء العراقي في التداخل بين الحقيقة البيولوجية التي يكشف عنها فحص الحمض النووي (DNA)، وبين القواعد القانونية والشرعية التي تحدد أسباب ثبوت النسب وآثار استقراره وإمكان نفيه. وقد ازدادت هذه المسألة تعقيدًا بعد التطورات التشريعية التي شهدها قانون الأحوال الشخصية سنة 2025، وما أعقبها من صدور مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري، إذ أصبح تحديد القيمة القانونية للبصمة الوراثية مرتبطًا، في بعض الحالات، بتحديد النظام الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع ذاته. ومن ثم لا يمكن دراسة حجية البصمة الوراثية في دعاوى النسب في العراق من خلال النظر إليها بوصفها مسألة فنية مجردة؛ بل ينبغي تحليل موقعها في منظومة الإثبات، وعلاقتها بأحكام الفراش والإقرار، والاتجاه الذي استقر عليه القضاء العراقي قبل تعديل سنة 2025، ثم الوقوف على مقدار التحول الذي أحدثته المدونة الجعفرية في هذا المجال. تقوم البصمة الوراثية على تحليل خصائص الحمض النووي التي تميز الإنسان وراثيًا، وتتيح المقارنة بين العينات البيولوجية لتقدير وجود رابطة جينية أو استبعادها. ويمكن الحصول على المادة الوراثية من مصادر مختلفة بحسب طبيعة الفحص وظروف العينة، كالدم واللعاب والأنسجة والشعر المحتوي على مادة خلوية والعظام وغيرها. وتنبع أهميتها القضائية من ارتفاع قدرتها التمييزية متى أُخذت العينات وفُحصت وفق الأصول العلمية السليمة، مع بقاء موثوقية النتيجة مرتبطة بصحة الإجراء والمحافظة على هوية العينات ومنع تلوثها أو استبدالها. أما من الناحية القانونية، فإن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل لم يتضمن، في أصله، تنظيمًا خاصًا بالبصمة الوراثية. ولذلك وجد القضاء العراقي أساس الاستعانة بها في القواعد العامة للإثبات، وفي مقدمتها المادة 104 من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل، التي أجازت للقاضي الاستفادة من وسائل التقدم العلمي في استنباط القرائن القضائية. وقد كان لهذا النص دور أساسي في إدخال الوسائل الطبية والوراثية الحديثة إلى دائرة الإثبات، من دون أن يعني ذلك، في المرحلة السابقة، منح نتيجة الفحص قوة مطلقة تستقل عن بقية الأدلة والأسباب القانونية المقررة لثبوت النسب. ويؤكد القضاء العراقي قدم هذا الاتجاه؛ ففي القرار رقم 4940/إثبات نسب/1988، قررت محكمة التمييز أنه إذا أنكر المدعى عليه أبوته للمدعية، كان للمحكمة إحالة الطرفين إلى مؤسسة صحية مختصة لإجراء فحص الدم والأنسجة وغيره من الفحوص الطبية ذات الصلة، مستندة في ذلك إلى المادة 104 من قانون الإثبات، ومؤكدة ضرورة التوسع في التحقيق في قضايا النسب. وتكتسب هذه السابقة أهميتها من كونها تعكس تقبل القضاء، منذ مرحلة مبكرة، إمكان الاستفادة من التطور العلمي في تكوين القناعة القضائية بشأن رابطة النسب، حتى قبل شيوع تقنيات البصمة الوراثية بصورتها الحالية. كما أوجد قانون الطب العدلي رقم 37 لسنة 2013 المعدل الإطار المؤسسي لعمل الطب العدلي والفحوص الفنية والوراثية التي تحتاج إليها الجهات القضائية، بما يعزز دور الخبرة الطبية المتخصصة في كشف الوقائع ذات الطبيعة العلمية. ومع ذلك، تظل قيمة التقرير الفني أمام القضاء مرتبطة بطبيعة المسألة محل الإثبات وبالقواعد الموضوعية التي تحكمها؛ فالخبرة تكشف واقعة بيولوجية، أما الأثر القانوني لهذه الواقعة فيحدده القانون الواجب التطبيق. وفي الإطار التقليدي لقانون الأحوال الشخصية، نظم المشرع العراقي أحكام النسب في المواد 51 وما بعدها. فقد قررت المادة 51 نسبة ولد الزوجة إلى زوجها إذا مضى على عقد الزواج أقل مدة الحمل وكان التلاقي بين الزوجين ممكنًا. ويمثل هذا النص التطبيق التشريعي لقاعدة الفراش، التي تحتل موقعًا محوريًا في ثبوت النسب واستقراره. أما المادة 52 فقد نظمت الإقرار بالبنوة، مقررة ثبوت نسب مجهول النسب بالإقرار عند تحقق شروطه، كما اشترطت، إذا كان المقر امرأة متزوجة أو معتدة، تصديق الزوج أو إقامة البينة لإثبات نسب الولد منه. وقد تعامل القضاء العراقي مع الفراش والإقرار بوصفهما من الأسباب ذات الأثر القوي في تثبيت النسب، ولا سيما عندما استقر المركز القانوني للطفل بناء عليهما. وتظهر أهمية البصمة الوراثية بصورة أوضح في دعاوى إثبات النسب التي لا يكون فيها استعمال الفحص مؤديًا إلى هدم نسب مستقر لشخص آخر. ففي هذه الحالات اتجه القضاء إلى التوسع في التحقيق وعدم إغفال الأدلة العلمية التي قد تساعد المحكمة على كشف حقيقة النسب. ومن التطبيقات المهمة في هذا المجال قرار الهيئة العامة في محكمة التمييز الاتحادية رقم 18/الهيئة العامة/2022، المتعلق بدعوى تضمنت طلب إثبات الزواج والطلاق والنسب في ظروف ارتبطت بالمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي. وكانت المحكمة قد اطلعت على تقرير للطب العدلي تضمن نتائج فحص البصمة الوراثية للطفل وأمه وأقاربه من جهة الأب. وانتهت الهيئة العامة إلى نقض الحكم الصادر برد الدعوى، مؤكدة وجوب توسع المحكمة في تحقيقاتها لتعلق القضية بالحل والحرمة، وأن عليها، متى توصلت إلى صحة عقد الزواج، تطبيق أحكام المادة 51 من قانون الأحوال الشخصية مع أخذ تقرير البصمة الوراثية في الاعتبار. ويكشف هذا القرار عن قيمة عملية بالغة للبصمة الوراثية في الحالات التي يتعذر فيها الحصول على عينة مباشرة من الأب، إذ يمكن أن يسهم فحص الأقارب في تكوين القناعة القضائية بشأن الرابطة العائلية، مع بقاء النتيجة مرتبطة بمجموع وقائع الدعوى والأدلة القانونية الأخرى. غير أن موقف القضاء العراقي كان أكثر تحفظًا بصورة واضحة عندما تستعمل البصمة الوراثية لنفي نسب سبق أن استقر بالفراش أو الإقرار. فقد قدمت محكمة التمييز الاتحادية، قبل التعديل التشريعي الأخير، حماية استقرار النسب على نتيجة الفحص الجيني في عدد من التطبيقات القضائية. ومن الأمثلة الدالة على ذلك قرار الهيئة الموسعة المدنية رقم 503/2018، الذي تعلق بدعوى نفي نسب أقيمت بعد وفاة الزوج. ورأت المحكمة أن توافر شرطي المادة 51 من قانون الأحوال الشخصية يؤدي إلى ثبوت النسب، وأن نتيجة فحص الحمض النووي المخالفة لذلك لا تكفي، في الواقعة المعروضة عليها، لهدم النسب المستقر، مؤكدة التقيد بقاعدة «الولد للفراش وللعاهر الحجر». ويظهر من هذا الاتجاه أن القضاء لم يكن ينكر القيمة العلمية للفحص في ذاته، وإنما كان يضعه داخل ترتيب قانوني للأدلة لا يسمح للقرينة العلمية بإسقاط نسب استوفى أسباب ثبوته الشرعية والقانونية. وقد بلغ هذا الاتجاه صورته الأكثر وضوحًا في قرار الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية رقم 277/الهيئة الموسعة المدنية/2023 الصادر في 21/8/2023. فقد كانت الدعوى تتعلق بطلب نفي نسب طفل رغم وجود تقرير للبصمة الوراثية أظهر تعاكس العلامات الوراثية بينه وبين الزوج وتوافقها مع شخص آخر. إلا أن المحكمة أخذت في الاعتبار استمرار العلاقة الزوجية خلال المدة ذات الصلة، وحضور الزوج عند ولادة الطفل وتنظيمه شهادة الولادة، وسبق إقراره به وسكوته مدة تقارب السنتين قبل المطالبة بنفي نسبه. وقررت المحكمة أن تقرير البصمة الوراثية، وفق الإطار القانوني الذي كان يحكم الدعوى، يمثل قرينة فنية مستمدة من وسائل التقدم العلمي استنادًا إلى المادة 104 من قانون الإثبات، وأنه لا يرقى إلى هدم الإقرار وأسباب ثبوت النسب المعتبرة في الواقعة محل النزاع. ومن ثم كرست المحكمة مبدأ عدم الاعتماد على البصمة الوراثية لنفي النسب الثابت في مثل هذه الحالة، مع التشديد على وجوب إحاطة استخدامها في قضايا النسب بالحذر والحيطة والسرية. ويكشف هذا المسار القضائي عن تمييز مهم بين الوظيفة العلمية للبصمة الوراثية ووظيفتها القانونية. فالاختبار قد يجيب عن السؤال البيولوجي المتعلق بوجود الأبوة الجينية، إلا أن المحكمة كانت، في ظل الإطار التشريعي التقليدي، تواجه سؤالًا مختلفًا هو: هل تسمح القواعد القانونية النافذة بتحويل تلك النتيجة إلى أثر يهدم نسبًا سبق أن استقر بالفراش أو الإقرار؟ وقد أجاب الاتجاه القضائي السابق عن هذا السؤال بالنفي في الحالات التي توافرت فيها أسباب ثبوت النسب المعتبرة شرعًا وقانونًا. إلا أن الصورة التشريعية لم تبق على حالها. فقد صدر قانون رقم 1 لسنة 2025 بتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، ونشر في العدد 4814 من جريدة الوقائع العراقية بتاريخ 17/2/2025، ونص على نفاذه من تاريخ نشره. وأضاف القانون فقرة ثالثة إلى المادة الثانية، أتاحت، ضمن الحالات والشروط التي حددها، تطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري. ولم يقف القانون عند تقرير مبدأ الاختيار، بل وضع قواعد لحسم الاختلاف بين الأطراف في النظام الواجب التطبيق. فإذا اختلف الأطراف المرتبطون بقضية واحدة بين تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري أو قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، اعتمدت المحكمة في مسائل إيقاع الطلاق وتنفيذ الوصية وتقسيم الميراث اختيار المطلق والموصي والمورث بحسب الأحوال، وفي غيرها يؤخذ بما يختاره أغلب الأطراف كاملي الأهلية شرعًا وقانونًا، وعند عدم تحقق الأغلبية تختار المحكمة ما هو الأقرب إلى مبادئ العدل والإنصاف. كما عهد قانون التعديل إلى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بوضع مدونة للأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري. وقد أنجزت هذه المرحلة بالفعل؛ إذ صدر قرار رقم 10 لسنة 2025 بالتصديق على مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري، ونشرت في العدد 4843 من جريدة الوقائع العراقية بتاريخ 6/10/2025، وأصبحت ملحقًا بالقانون رقم 1 لسنة 2025. ويكتسب صدور هذه المدونة أهمية مباشرة وحاسمة في موضوع البصمة الوراثية، لأنها تضمنت تنظيمًا صريحًا لمكانة فحص الحمض النووي في أحكام النسب، وهو ما يفرض إعادة النظر في أي تعميم سابق مؤداه أن القانون العراقي يحظر استعمال البصمة الوراثية في نفي النسب حظرًا مطلقًا. فقد قررت المادة 76 من المدونة أن تحقق شروط إلحاق الولد بالزوج يمنعه، من حيث الأصل، من نفيه عن نفسه، حتى مع ثبوت زنا المرأة. غير أنها وضعت استثناءً صريحًا إذا وجدت طريقة علمية بيّنة، ومن أمثلتها فحص الحمض النووي (DNA)، وتم التأكد من إجرائها بصورة صحيحة؛ فإذا كشفت النتيجة أن الزوج ليس الأب البيولوجي للولد جاز له نفيه عن نفسه. ويشكل هذا الحكم تحولًا جوهريًا في البناء القانوني لحجية البصمة الوراثية في دعاوى النسب ضمن نطاق تطبيق المدونة. فالفحص لم يعد في هذه الحالة مجرد قرينة فنية لا يمكنها المساس بالنسب القائم، وإنما أصبح وسيلة يمكن أن يترتب على نتيجتها أثر مباشر في نفي الأبوة متى استوفت الشروط التي قررتها المادة 76. وعززت المادة 79 من المدونة الاتجاه نفسه في مجال آخر من مجالات النسب. فقد تناولت حالة ادعاء رجل أو امرأة بنوة ولد صغير مجهول النسب من غير منازع، وقررت الاعتداد بهذا الادعاء وفق شروطها، إلا إذا كشفت طريقة علمية بيّنة، كفحص الحمض النووي، عدم انتساب الولد إلى المدعي. وهو ما يؤكد أن المشرع، في إطار المدونة، منح الدليل الجيني وظيفة تتجاوز مجرد الاستئناس، وأدخله في صلب القواعد الموضوعية المنظمة لإلحاق النسب ونفيه. ويترتب على ذلك أن البحث في حجية البصمة الوراثية أمام القضاء العراقي بعد سنة 2025 يجب أن يقوم على تمييز دقيق بين الأطر القانونية التي يمكن أن تحكم الدعوى. فالاجتهاد القضائي الذي سبق المدونة، ومنه القرار رقم 277 لسنة 2023، يظل مهمًا لفهم موقف القضاء في ظل القواعد التي صدر في إطارها، ولا سيما ما يتعلق بمكانة الفراش والإقرار والبصمة باعتبارها قرينة فنية وفق المادة 104 من قانون الإثبات. غير أن تطبيق هذا الاتجاه بوصفه قاعدة مطلقة على جميع دعاوى النسب اللاحقة لم يعد دقيقًا بعد صدور المدونة، لأن المادة 76 منها أقرت حكمًا صريحًا مختلفًا في نطاق سريانها. وهذا التطور لا يعني أن مجرد تقديم تقرير مختبري يحمل عبارة DNA يكفي تلقائيًا لإثبات الأبوة أو نفيها. فالمدونة ذاتها لم تجعل أي فحص مقبولًا بذاته، وإنما اشترطت أن تكون الوسيلة العلمية بيّنة وأن يتم التأكد من إجرائها بصورة صحيحة. ويضع ذلك على المحكمة مسؤولية التثبت من سلامة الإجراءات الفنية التي أنتجت النتيجة، ابتداءً من تحديد هوية أصحاب العينات وأخذها بالوسيلة الصحيحة، مرورًا بحفظها ونقلها وفحصها، وانتهاءً بإصدار التقرير من جهة فنية مختصة. وتزداد أهمية هذه الضمانات لأن قوة الدليل العلمي تقترن بخطورة الآثار المترتبة عليه. فخطأ في هوية العينة أو طريقة التعامل معها لا يؤدي إلى خطأ فني مجرد، وإنما قد يفضي إلى تغيير مركز قانوني يرتبط بالأبوة والبنوة والإرث والنفقة وسائر الآثار المترتبة على النسب. ولهذا ينبغي أن تتناسب الضمانات الإجرائية مع القوة القانونية التي يمنحها التشريع لنتيجة الفحص. ومن جانب آخر، تفرض البيانات الجينية مستوى مرتفعًا من السرية؛ لأنها لا تتصل بواقعة النزاع وحدها، بل تمس معلومات بيولوجية شديدة الخصوصية تتعلق بالشخص وأفراد أسرته. ومن ثم فإن حماية هذه البيانات ينبغي أن تكون جزءًا من التنظيم القانوني لإجراء الفحص، سواء من حيث الأشخاص المخولين بالاطلاع عليها، أم غرض الاحتفاظ بها، أم كيفية تداولها في ملفات الدعوى، أم مصير العينات بعد انتهاء الحاجة القضائية إليها. ويكشف التطور التشريعي الأخير أيضًا عن حاجة ملحة إلى إعادة بناء التصور التقليدي للعلاقة بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القضائية. فقبل المدونة كان القضاء، في عدد من الحالات، يقدم استقرار النسب الثابت بالفراش أو الإقرار على نتيجة البصمة الوراثية المخالفة له. أما المدونة الجعفرية فقد اعترفت، في نطاق تطبيقها، بإمكان أن تؤدي الحقيقة العلمية المثبتة بطريقة بيّنة وصحيحة إلى نفي الأبوة ذاتها. وهذا يعني أن العلاقة بين العلم والقانون لم تعد قائمة على مجرد إخضاع الدليل العلمي للقواعد التقليدية، وإنما دخل الدليل العلمي نفسه، في بعض الأحوال، في تكوين القاعدة الموضوعية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي وإجرائي أكثر تفصيلًا لتنظيم فحوص البصمة الوراثية أمام محاكم الأحوال الشخصية. فالقانون يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد الجهة المختصة بإجراء الفحص، وكيفية إصدار الأمر به، وضوابط أخذ العينات وحفظها ونقلها، وشروط اعتماد المختبر، وإمكان إعادة الفحص أو الاعتراض على النتيجة، ومدى حجية الامتناع عن تقديم العينة، فضلًا عن الضمانات المتعلقة بسرية المعلومات الوراثية وعدم استخدامها في غير الغرض القضائي الذي جُمعت من أجله. كما أن ازدواج القواعد الموضوعية التي أصبحت تحكم بعض مسائل الأحوال الشخصية يقتضي من المحكمة أن تحسم، في مرحلة مبكرة من الدعوى، النظام القانوني الواجب التطبيق قبل تحديد الأثر المترتب على البصمة الوراثية. فلا يكفي الوصول إلى نتيجة جينية واحدة ثم افتراض أن أثرها القانوني سيكون واحدًا في جميع الأحوال؛ إذ قد تختلف النتيجة القانونية باختلاف القواعد الموضوعية التي تحكم النزاع. وبذلك يتبين أن البصمة الوراثية مرت في القضاء العراقي بمرحلتين متميزتين. ففي المرحلة التي سبقت تعديل سنة 2025، تعامل القضاء معها، في الأصل، بوصفها وسيلة علمية يستفيد منها القاضي في استنباط القرائن وفق المادة 104 من قانون الإثبات، واتسع مجال الاعتماد عليها في دعاوى إثبات النسب والتحقيق في الروابط العائلية، مع تحفظ واضح على استعمالها لنفي نسب مستقر بالفراش أو الإقرار. أما المرحلة الثانية فقد بدأت مع قانون التعديل رقم 1 لسنة 2025 واكتملت بصدور مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري، إذ أقرت المادة 76 صراحة إمكان التعويل على فحص الحمض النووي، إذا كان قائمًا على طريقة علمية بيّنة وثبتت صحة إجرائه، لنفي أبوة الزوج متى كشفت النتيجة عدم كونه الأب البيولوجي للولد، كما أكدت المادة 79 دور الوسيلة العلمية في التحقق من دعوى بنوة مجهول النسب. وعليه، لم يعد من الدقة القول إن البصمة الوراثية في النظام القانوني العراقي ليست سوى قرينة قضائية لا يمكنها، في أي حال، التأثير في النسب الثابت، كما لم يعد صحيحًا القول إن استعمالها في نفي النسب محظور حظرًا مطلقًا. والصحيح أن حجيتها وآثارها أصبحت تتحدد وفق النظام القانوني الواجب التطبيق على الدعوى، مع استمرار أهمية السوابق القضائية السابقة في المجال الذي تظل أحكامها منسجمة فيه مع القانون النافذ. والتحدي الذي يواجه القضاء العراقي اليوم لا يتمثل في المفاضلة المجردة بين العلم والفقه، ولا بين الحقيقة البيولوجية واستقرار الأسرة، وإنما في بناء تطبيق قضائي منضبط يضع كل عنصر في موضعه الصحيح: فيحدد القانون الواجب التطبيق أولًا، ويتحقق من سلامة الفحص الجيني ثانيًا، ثم يرتب على النتيجة الأثر الذي أجازه التشريع، مع المحافظة على حقوق الطفل واستقرار المراكز القانونية وسرية المعلومات الوراثية. إن القيمة الحقيقية للبصمة الوراثية لا تكمن في قدرتها العلمية وحدها، بل في كيفية إدماج هذه القدرة داخل منظومة قانونية تضمن سلامة الإجراء وعدالة النتيجة. وكلما اتسع اعتراف القانون بالدليل الجيني، ازدادت الحاجة إلى قواعد أكثر دقة تحكم إجراءه وحجيته وضماناته. ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة مرحلة انتقال من مجرد الاعتراف بالبصمة الوراثية كوسيلة من وسائل التقدم العلمي إلى بناء نظام قانوني متكامل يحدد على نحو واضح متى تكون قرينة، ومتى تكتسب أثرًا موضوعيًا في إثبات النسب أو نفيه.
العودة إلى المقالات