
تفتيش الأشخاص والمساكن في القانون العراقي: شروط الصحة وحالات البطلان
ترتبط حرمة الجسد والمسكن ارتباطاً مباشراً بحرية الإنسان وكرامته وحقه في الخصوصية، ولذلك لم يتركها النظام القانوني العراقي لمطلق تقدير سلطات التحقيق، وإنما أحاط المساس بها بجملة من الضمانات الدستورية والإجرائية التي تحدد الحالات التي يجوز فيها التفتيش، والجهة التي تملك الأمر به، والحدود التي ينبغي مراعاتها عند تنفيذه. فالتفتيش، وإن كان من الوسائل المهمة في البحث عن الأدلة وكشف الحقيقة، ينطوي في الوقت نفسه على تدخل مباشر في نطاق خاص حرص القانون على حمايته، ومن ثم لا يستمد مشروعيته من فائدته للتحقيق وحدها، وإنما من اجتماع الضرورة مع احترام الشروط التي قررها القانون. ويجد هذا الاتجاه أساسه في دستور جمهورية العراق لسنة 2005. فقد كفلت المادة 15 الحق في الحياة والأمن والحرية، ومنعت الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة. وقررت المادة 17 حق الفرد في الخصوصية الشخصية، ثم خصت المسكن بحماية صريحة بنصها على أن حرمته مصونة، وأن دخوله أو تفتيشه أو التعرض له لا يكون إلا بقرار قضائي ووفقاً للقانون. وتتعزز هذه الضمانات بما ورد في المادة 19 من كفالة حق الدفاع والمعاملة العادلة في الإجراءات القضائية والإدارية، وبالمادة 37 التي صانت حرية الإنسان وكرامته وحرمت التعذيب والإكراه، فضلاً عن المادة 40 التي كفلت حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والإلكترونية وغيرها، ومنعت مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي. ولا تقتصر حماية المسكن على الجانب الدستوري والإجرائي، إذ وفر قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل حماية جنائية مباشرة له. فالمادة 428 تعاقب من يدخل محلاً مسكوناً أو معداً للسكنى أو أحد ملحقاته من غير رضا صاحبه وفي غير الأحوال التي يرخص فيها القانون، كما تشمل بعض صور البقاء في المكان خلافاً لإرادة من يملك إخراج الفاعل منه. وتظهر الحماية كذلك في أحكام السرقة المشددة؛ إذ عدت المادة 444 وقوع السرقة في محل مسكون أو معد للسكنى أو أحد ملحقاته من الحالات التي تستوجب العقوبة المشددة، إلى جانب صور أخرى تتعلق بالدخول إلى الأماكن المسورة بالكسر أو التسور أو باستعمال وسائل أخرى حددها النص. وبذلك لا ينظر القانون إلى المسكن باعتباره مجرد مكان مادي يمكن أن تقع فيه الجريمة، وإنما بوصفه نطاقاً للحياة الخاصة يستحق حماية قانونية مستقلة. أما التنظيم الإجرائي المباشر للتفتيش فقد ورد في الفصل الرابع من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل. وقررت المادة 72 قاعدة عامة مفادها عدم جواز تفتيش أي شخص أو دخول منزله أو تفتيشه أو تفتيش أي محل تحت حيازته إلا في الأحوال المبينة في القانون، وأن يقوم بالتفتيش قاضي التحقيق أو المحقق أو عضو الضبط القضائي بأمر من القاضي أو ممن خوله القانون إجراءه. وأكدت المادة 73 هذا الأصل حين قررت عدم جواز تفتيش الشخص أو منزله أو أي مكان تحت حيازته إلا بناءً على أمر صادر من سلطة مختصة قانوناً، ثم استثنت بعض حالات الضرورة التي لا تحتمل مراعاة الشروط المعتادة، كطلب المساعدة ممن يكون داخل المكان أو وقوع حريق أو غرق أو ما شابه ذلك. ويكشف تنظيم القانون للتفتيش عن أن اللجوء إليه يرتبط بحاجة التحقيق ولا يمثل غاية قائمة بذاتها. فالمادة 74 تجيز لقاضي التحقيق، إذا ظهر له وجود أشياء أو أوراق تفيد التحقيق لدى شخص، أن يأمره كتابة بتقديمها في ميعاد معين، فإذا اعتقد أنه لن يمتثل للأمر أو خشي تهريبها جاز له أن يقرر إجراء التفتيش وفقاً للأحكام القانونية المنظمة له. ولا تعني هذه المادة أن القانون وضع قاعدة عامة تلزم سلطة التحقيق باستنفاد كل وسيلة أقل مساساً بالخصوصية قبل التفتيش، لكنها تدل على أن المشرع أتاح، في الحالات التي تسمح بذلك، الحصول على الأشياء المطلوبة من دون اللجوء مباشرة إلى هذا الإجراء. وفي هذا السياق أجازت المادة 75 لقاضي التحقيق أن يقرر تفتيش المتهم أو منزله أو أي مكان آخر في حيازته إذا كان متهماً بارتكاب جريمة وكان من المحتمل أن يسفر التفتيش عن العثور على أوراق أو أسلحة أو آلات أو أشخاص اشتركوا في الجريمة أو حجزوا بغير حق. ويستفاد من ذلك أن التفتيش التحقيقي يرتبط بواقعة جرمية قائمة وباتهام يتعلق بها، فضلاً عن احتمال معقول في أن يؤدي الإجراء إلى العثور على شيء يفيد التحقيق. ولذلك لا يتفق مع طبيعة التفتيش اتخاذه وسيلة عامة لاستكشاف ما إذا كان الشخص قد ارتكب جريمة لم تتحدد معالمها أصلاً، أو البحث عن جريمة مستقبلية محتملة. ويثير إطلاق لفظ «جريمة» في المادة 75 مسألة تستحق النظر من زاوية نطاق تطبيق النص؛ فقانون العقوبات يقسم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات، ولم يقيد المشرع سلطة التفتيش في هذه المادة بالجناية أو الجنحة. ومن ثم يمكن للقراءة الحرفية للنص أن تشمل المخالفات أيضاً. غير أن هذا الامتداد يثير إشكالية تتصل بمبدأ التناسب بين جسامة الإجراء وخطورة الواقعة محل التحقيق، لأن التفتيش يمثل تدخلاً مباشراً في الحرية والخصوصية وحرمة المسكن. ولذلك يبدو من الأنسب تشريعياً إعادة النظر في هذه المسألة وحصر اللجوء إلى التفتيش، كأصل عام، في الجرائم التي تبلغ من الخطورة ما يبرر المساس بهذه الحقوق، مع مراعاة الحالات التي تفرض فيها الضرورة نتيجة مختلفة. ولا تنفصل صحة التفتيش عن الاختصاص القانوني للجهة التي تأمر به. فالأصل أن يصدر الأمر من قاضي التحقيق أو ممن منحه القانون هذه السلطة، وأن يتولى التنفيذ أحد الأشخاص الذين حددهم القانون. والعبرة في هذا المجال بوجود الولاية القانونية عند صدور القرار، لا بمجرد الصفة التي كان يتمتع بها مصدر الأمر في وقت سابق. فإذا صدر الأمر ممن لا يملك سلطة إصداره، أو بعد زوال الولاية التي تخوله اتخاذه، كان ذلك عيباً يمس أساس مشروعية الإجراء. وقد تناولت كتابات قضائية عراقية هذه الصورة وعدتها من الحالات التي يمكن أن يترتب عليها بطلان التفتيش، من غير أن يعني ذلك إمكان وصف كل حالة من حالات البطلان مسبقاً بأنها مطلقة أو نسبية دون النظر إلى طبيعة المخالفة والغرض من القاعدة التي تم خرقها. ومن حيث شكل الأمر بالتفتيش، تبرز أهمية أن يكون محدداً بما يسمح بالوقوف على مصدره وموضوعه ونطاقه، وأن يكون قابلاً للإثبات والمراجعة القضائية. وقد أشارت كتابات قضائية عراقية إلى ضرورة تحرير الأمر وتوقيعه وتحديد الجهة أو الشخص المكلف بتنفيذه، وهي متطلبات تنسجم مع الطبيعة القضائية للإجراء وإن لم ترد جميع تفاصيلها مجتمعة في نص واحد من المواد 72 إلى 86. كما أشارت بعض الكتابات إلى ممارسة عملية في الحالات المستعجلة تتمثل في اتصال المحقق بقاضي التحقيق والحصول على موافقته هاتفياً، ثم تثبيت هذه الموافقة في الأوراق التحقيقية عند عرضها عليه. غير أن القانون لا يتضمن في المواد المنظمة للتفتيش نظاماً مستقلاً للإذن الهاتفي يبين شروطه ومدته وكيفية توثيقه، ولذلك لا ينبغي التعامل مع هذه الممارسة كما لو كانت استثناءً تشريعياً قائماً بذاته، بل تظل مسألة جديرة بالتنظيم الصريح منعاً للاختلاف في التطبيق. ولا يملك القائم بالتفتيش أن يحوله إلى بحث مفتوح عن كل ما يمكن العثور عليه في المكان. فالمادة 78 تقرر أن التفتيش يكون بحثاً عن الأشياء التي أجري من أجلها، لكنها تعالج أيضاً حالة ظهور أشياء أخرى عرضاً أثناء التنفيذ، فتجيز ضبط الشيء إذا كان وجوده في ذاته يشكل جريمة أو كان يفيد في كشف جريمة أخرى. وهذه القاعدة تحقق توازناً بين وجوب تقيد الإجراء بالغرض الذي صدر من أجله وبين عدم تجاهل دليل جرمي يظهر بصورة عرضية أثناء تفتيش مشروع. وأحاطت المادة 82 تنفيذ التفتيش بضمانات تتصل بالحضور وتوثيق ما يجري أثناءه. فقد أوجبت أن يتم التفتيش بحضور المتهم وصاحب المنزل أو المحل إن وجد، وبحضور شاهدين مع مختار المحلة أو من يقوم مقامه. كما ألزمت القائم بالتفتيش بتنظيم محضر يتضمن الإجراءات التي اتخذت، وزمان التفتيش ومكانه، والأشياء التي ضبطت وأوصافها، وأسماء الأشخاص الموجودين في المحل، وملاحظات المتهم وذوي العلاقة، وأسماء الشهود. ويوقع المحضر ممن حددهم القانون، فإذا امتنع أحدهم عن التوقيع أثبت امتناعه فيه. وتمثل هذه المتطلبات ضمانة عملية للتحقق من حقيقة ما وقع أثناء التفتيش ومنع المنازعة اللاحقة في نطاقه أو الأشياء التي أسفر عنها. وتخضع محاضر التفتيش، كغيرها من محاضر التحقيق وجمع الأدلة، للقاعدة الواردة في المادة 220 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. فهذه المادة تعد ما تتضمنه محاضر التحقيق وجمع الأدلة من إجراءات الكشف والتفتيش، إلى جانب المحاضر الرسمية الأخرى، من عناصر الإثبات التي تخضع لتقدير المحكمة، وتجيز للخصوم مناقشتها وإثبات عكس ما ورد فيها. ومن ثم لا يكتسب محضر التفتيش حجية مطلقة لمجرد تنظيمه من جهة رسمية، بل يبقى خاضعاً للرقابة والمناقشة والتقدير القضائي. وأولى القانون تفتيش المرأة عناية خاصة. فقد نصت المادة 80 على أنه إذا كان المراد تفتيشه أنثى فلا يجوز تفتيشها إلا بواسطة أنثى ينتدبها القائم بالتفتيش لهذا الغرض بعد تدوين هويتها في المحضر. والحكم الذي تقرره المادة يتعلق بالتفتيش الجسدي للأنثى، ولا تتضمن ألفاظها تقريراً صريحاً بأن مخالفتها تؤدي حتماً إلى البطلان المطلق، كما أنها لا تضع تنظيماً تفصيلياً لمسألة تفتيش الأمتعة أو المتعلقات الخارجية التي لا تقتضي ملامسة الجسد. ولذلك ينبغي إبقاء هذه المسائل في نطاق التحليل الفقهي والقضائي وعدم نسبتها إلى النص ذاته. ومع ذلك، فإن الصيغة الآمرة للمادة والحق الذي تحميه يجعلان مخالفتها عيباً جوهرياً يمكن أن يثير بطلان الإجراء أو عدم التعويل على ما ترتب عليه بحسب ظروف كل حالة ومدى اتصال المخالفة بالدليل المستمد منها. ولا تقتصر أحكام التفتيش على قانون أصول المحاكمات الجزائية العام، إذ ترد قواعد خاصة في تشريعات تنظم إجراءات فئات معينة. فقانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم 17 لسنة 2008 نص في المادة 9/سابعاً على جواز قيام المجلس التحقيقي أو القائم بالتحقيق بتفتيش مسكن المتهم من رجال الشرطة والقبض على المشتبه به وفق الإجراءات القانونية، في حين لا يجوز تفتيش مسكن غير رجل الشرطة إلا بعد استحصال موافقة قاضي التحقيق المختص. ويثير الشق الأول من هذا الحكم مسألة مدى انسجامه مع المادة 17/ثانياً من الدستور، التي صاغت حماية المسكن بعبارة عامة واشترطت القرار القضائي لدخوله أو تفتيشه. ولا يصح الجزم بعدم دستورية النص من غير حكم صادر من الجهة القضائية المختصة، إلا أن التعارض الظاهري بين الحكمين يجعل المسألة جديرة بالمراجعة التشريعية والحسم القضائي عند إثارتها. أما قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري رقم 22 لسنة 2016 فقد عالج المسألة بصورة أكثر صراحة. فالمادة 25 منه تقضي بأنه إذا ظهر لسلطة التحقيق أن تفتيش مسكن العسكري أو الكشف عليه قد يساعد التحقيق في العثور على مستند أو شيء له مساس بالجريمة، فعليها استحصال أمر قضائي بالتفتيش من محكمة التحقيق المختصة، ويجري التفتيش بإشراف القاضي ووفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971. كما أعطت المادة للمحكمة العسكرية، ضمن الحدود التي رسمها النص، سلطة إصدار الأمر القضائي بالتفتيش عند قيام الحاجة إليه أثناء نظر الدعوى. وفي المجال الكمركي منح قانون الكمارك رقم 23 لسنة 1984 المعدل موظفي الكمارك، في حدود اختصاصهم، صفة أعضاء الضبط القضائي، ونظم صلاحياتهم في التحري وضبط البضائع وملاحقة جرائم التهريب. وحددت المادة 186 نطاق التحري عن التهريب وحجز البضائع والتحقيق في الجرائم الكمركية، بما يشمل النطاق الكمركي البري والبحري والحرم الكمركي والموانئ والمطارات والأماكن الخاضعة للرقابة الكمركية، كما أجازت استمرار التعقب خارج هذا النطاق بالنسبة إلى البضائع التي شوهدت داخله في وضع يدل على قصد التهريب. غير أن هذه الصلاحيات لا تعني وجود سلطة مطلقة لدخول المساكن الخاصة وتفتيشها، إذ تبقى حرمة المسكن والضمانات الدستورية والقواعد العامة في التفتيش حاكمة كلما تعلق الإجراء بمسكن خاص، مع مراعاة الحالات الاستثنائية التي يجيز فيها القانون التدخل الفوري. ويخضع تنفيذ أمر التفتيش كذلك لقواعد الاختصاص المكاني. فالمادة 85 تنظم حالة تنفيذ أمر التفتيش خارج منطقة اختصاص القاضي الذي أصدره، فتوجب على من ينفذ الأمر مراجعة قاضي التحقيق الذي يراد التنفيذ في منطقة اختصاصه والعمل بإرشاده، مع جواز التنفيذ فوراً في الحالة المستعجلة ثم إخبار القاضي المحلي. ولا يترتب البطلان لمجرد حصول مخالفة لقواعد الاختصاص المكاني؛ فالمادة 53/هـ قررت أن إجراءات قاضي التحقيق وقراراته لا تكون باطلة لمجرد صدورها خلافاً لقواعد الاختصاص المكاني المبينة في القانون. ولذلك ينبغي التمييز بين عدم مراعاة التنظيم المكاني للاختصاص وبين صدور الأمر ممن لا يملك أصلاً الولاية أو الصلاحية النوعية أو الشخصية لإصداره. وأوجد التطور التقني مسألة لم تكن بالوضوح ذاته عند تشريع قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهي تفتيش الهواتف المحمولة والحواسيب والأجهزة الرقمية وما تختزنه من بيانات ومراسلات وصور وسجلات ومعلومات شخصية. ولا يتضمن القانون الإجرائي العراقي تنظيماً تفصيلياً مستقلاً يحدد كيفية تفتيش المحتوى الرقمي وحدوده على نحو يتناسب مع طبيعة هذه الأجهزة. إلا أن غياب التنظيم التفصيلي لا يعني غياب الحماية الدستورية؛ فالمادة 40 من الدستور كفلت حرية الاتصالات والمراسلات الهاتفية والإلكترونية وغيرها، ومنعت مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي. ويمكن كذلك الاستناد إلى القواعد العامة المتعلقة بالتفتيش وضبط الأوراق والأشياء بالقدر الذي يتفق مع طبيعة الدليل الرقمي. ومع ذلك، فإن الهاتف الحديث يختلف عن الوعاء المادي التقليدي؛ فهو قد يتيح الوصول إلى كم كبير من المراسلات والصور والمعلومات المالية والمهنية والمكانية، فضلاً عن بيانات مخزنة في خدمات سحابية قد لا تكون موجودة فعلياً داخل الجهاز. ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى تنظيم تشريعي خاص يحدد نطاق تفتيش الأجهزة الرقمية والبيانات التي يسمح بالوصول إليها ومدة التفتيش وآليات نسخ المعلومات وحفظها ومدى جواز الاطلاع على الحسابات المرتبطة بالجهاز، بما يمنع تحول الإذن بفحص دليل معين إلى وصول غير محدود إلى الحياة الرقمية للشخص. وإذا كان الأمر القضائي السابق يمثل الأصل في التفتيش، فإن قانون أصول المحاكمات الجزائية أجاز التدخل بغير هذا الأمر في حالات محددة. ومن أهمها الجريمة المشهودة؛ إذ تجيز المادة 79 للمحقق أو عضو الضبط القضائي تفتيش المقبوض عليه في الحالات التي يجيز له القانون القبض عليه فيها، كما تجيز له عند وقوع جناية أو جنحة عمدية مشهودة تفتيش منزل المتهم أو أي مكان تحت حيازته وضبط الأشخاص أو الأوراق أو الأشياء التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح له من قرينة قوية وجودها فيه. ويرتبط هذا الاستثناء بقيام حالة الجريمة المشهودة بالشروط التي حددها القانون، وبوجود صلة واضحة بين المكان أو الأشياء محل التفتيش وبين الواقعة الجاري التحقيق فيها. أما الحالة الثانية فقد وردت في المادة 73/ب، التي تجيز تفتيش المكان دون مراعاة الشروط السابقة عند طلب المساعدة ممن يكون بداخله أو حدوث حريق أو غرق أو ما شابه ذلك من حالات الضرورة. ويختلف أساس الدخول هنا عن التفتيش التحقيقي المعتاد، لأن التدخل يستمد مشروعيته من الخطر القائم والحاجة إلى دفعه أو إنقاذ الأشخاص والأموال. ومن ثم ينبغي أن يظل التصرف في الحدود التي تقتضيها الضرورة، ولا يجوز اتخاذها ستاراً لإجراء بحث تحقيقي شامل لا صلة له بسبب الدخول. وتحتاج مسألة رضا حائز المسكن إلى قدر أكبر من الحذر. فقد تناولت بعض الكتابات الفقهية والقضائية الرضا الصحيح بوصفه عنصراً مؤثراً في مشروعية الدخول أو التفتيش، كما أن المادة 326 من قانون العقوبات تشير في تجريمها لبعض صور الدخول والتفتيش الوظيفي إلى حصولها بغير رضا صاحب الشأن. إلا أن المادة 17/ثانياً من دستور 2005 قررت أن دخول المساكن أو تفتيشها لا يجوز إلا بقرار قضائي ووفقاً للقانون، كما لم تضع المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الرضا صراحة ضمن الاستثناءات التي تجيز التفتيش التحقيقي بغير أمر من السلطة المختصة. ولذلك لا يبدو سليماً تقديم رضا الحائز وحده باعتباره قاعدة عامة تغني في جميع الأحوال عن القرار القضائي عند إجراء تفتيش جزائي بقصد البحث عن الأدلة. والأدق إبقاء المسألة في نطاق الخلاف الفقهي إلى أن تحسم تشريعياً أو بقضاء واضح يبين العلاقة بين الرضا والضمانة الدستورية اللاحقة. ويختلف عن ذلك دخول المكان بقصد تنفيذ القبض. فالمادة 105 تلزم من وجه إليه أمر القبض، وكذلك المكلف بالقبض في حالة الجريمة المشهودة، بملاحقة المتهم، فإذا اشتبه في وجوده أو اختفائه في مكان وامتنع الموجودون فيه عن تسليمه أو تقديم التسهيلات اللازمة للقبض عليه جاز دخول المكان عنوة، كما يجوز دخول أي مكان يلجأ إليه أثناء المطاردة لغرض القبض عليه. ولا يمنح هذا الحكم القائم بالقبض، بمجرد دخوله، سلطة مستقلة في إجراء تفتيش تحقيقي شامل للمكان، لأن سبب الدخول وغايته القانونية محددان بالقبض على الشخص المطلوب. وعندما يجرى التفتيش على خلاف الشروط التي قررها القانون تثار مسألة البطلان وأثره في الإجراء والدليل. ولم يضع قانون أصول المحاكمات الجزائية نظرية عامة للبطلان في باب مستقل يحدد بصورة شاملة أنواعه وشروطه وآثاره، وإن كان قد أورد قواعد تسمح بمراقبة إجراءات التفتيش والاعتراض عليها؛ فالمادة 86 تجيز لأصحاب العلاقة تقديم اعتراضاتهم على إجراءات التفتيش إلى قاضي التحقيق، وتوجب عليه الفصل فيها على وجه السرعة. كما تخضع محاضر التفتيش، وفق المادة 220، لتقدير المحكمة ومناقشة الخصوم، بما يسمح بالتحقق من قانونية ما جرى وصحة ما أثبت في المحضر. ولا يصح، في غياب قاعدة تشريعية عامة، القول إن كل مخالفة لإجراءات التفتيش تستوجب بطلاناً مطلقاً، كما لا يصح اعتبار كل عيب قابلاً للتصحيح أو عديم الأثر. فطبيعة الجزاء تتصل بنوع القاعدة التي تمت مخالفتها والحق الذي شرعت لحمايته ومدى تأثير الخلل في سلامة الإجراء. ويختلف، على سبيل المثال، الخلل المتعلق بتفصيل تنظيمي أو بالاختصاص المكاني الذي عالج القانون أثره صراحة، عن إجراء التفتيش من جهة لا تملك السلطة القانونية أو في غياب الأساس الذي يجيز المساس بحرمة الشخص أو المسكن. وإذا ثبت بطلان التفتيش، فإن المشكلة التالية تتعلق بما أسفر عنه من أدلة. ولا يتضمن القانون العراقي قاعدة عامة مكتوبة تقابل، على إطلاقها، النظرية المعروفة في بعض الأنظمة المقارنة باستبعاد جميع الأدلة التي تتولد عن الدليل غير المشروع. ولذلك يجب تجنب افتراض سقوط كل دليل لاحق بصورة آلية، والتمييز بين الدليل الذي يمثل نتيجة مباشرة للإجراء الباطل وبين دليل آخر قام له مصدر مستقل أو حصل عليه بطريق مشروع. كما تظل القيمة الإثباتية لمحاضر التحقيق والتفتيش خاضعة لتقدير المحكمة وفق المادة 220. وتظهر أهمية مشروعية الدليل بصورة خاصة في مجال الإقرار. فالمادة 127 تحظر استعمال أي وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على إقراره، ومن ذلك إساءة المعاملة والتهديد والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير. كما أن المادة 37 من الدستور تقرر صراحة عدم الاعتداد بأي اعتراف ينتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب. وقد طرأ على المادة 218 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تعديل مهم يجب أخذه في الاعتبار عند تحديد الحكم النافذ. فقد كانت المادة في صيغتها الأصلية تتضمن أحكاماً تسمح، في حالات معينة، بالأخذ بالإقرار رغم وجود وسيلة غير مشروعة إذا انتفت رابطة السببية أو تأيد بأدلة أخرى أو أدى إلى اكتشاف حقيقة. إلا أن مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 3 لسنة 2003 ألغت ما ورد في المادة بعد كلمة «إكراه»، فأصبح الحكم النافذ يشترط في الإقرار ألا يكون قد صدر نتيجة إكراه. ولذلك لا يصح الاستناد إلى الاستثناءات الواردة في الصياغة القديمة للمادة بوصفها جزءاً من النص النافذ. ومن ثم فإن معالجة الإقرار الناتج عن إكراه يجب أن تنطلق من الحظر الدستوري ومن المادتين 127 و218 بصيغتهما النافذة، لا من الاستثناءات التي كانت مقررة في النص السابق. أما الأدلة الأخرى اللاحقة لإجراء تفتيش باطل، فينبغي بحث مشروعيتها وقيمتها على نحو مستقل وفق قواعد الإثبات وظروف الحصول عليها، بدلاً من إسقاط قاعدة مطلقة لم ينص عليها المشرع العراقي. ولا تقتصر آثار التفتيش المخالف للقانون على احتمال البطلان أو استبعاد الدليل، فقد يرتب سلوك الموظف القائم به مسؤولية جنائية إذا توافرت أركان النص العقابي. ويأتي في مقدمة هذه النصوص، من حيث اتصاله المباشر بموضوع التفتيش، حكم المادة 326 من قانون العقوبات، التي تعاقب الموظف أو المكلف بخدمة عامة إذا دخل، اعتماداً على وظيفته، منزل أحد الأشخاص أو أحد ملحقاته في غير الحالات التي يجيزها القانون أو دون مراعاة الإجراءات المقررة، كما تقرر العقوبة ذاتها بالنسبة إلى الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يجري تفتيش شخص أو منزل أو محل، أو يحمل غيره على إجرائه، في الحالات التي يشملها النص. وتمثل هذه المادة ضمانة جنائية مباشرة في مواجهة استعمال الوظيفة لإجراء دخول أو تفتيش غير مشروع. وقد تنطبق المادة 331 من قانون العقوبات إلى جانب ذلك متى توافرت شروطها الخاصة؛ فهي تعاقب الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يرتكب عمداً ما يخالف واجبات وظيفته أو يمتنع عن عمل من أعمالها بقصد الإضرار بمصلحة أحد الأفراد أو تحقيق منفعة شخص على حساب آخر أو على حساب الدولة. ولذلك لا يكفي مجرد ثبوت عيب في التفتيش للقول بقيام الجريمة المنصوص عليها في المادة 331، وإنما يلزم إثبات عناصرها، ولا سيما العمد والقصد الخاص الذي اشترطه المشرع. أما إذا تجاوزت المخالفة حدود التفتيش غير المشروع واقترنت بتعذيب المتهم أو الشاهد أو الخبير أو باستعمال القوة أو التهديد للأغراض التي حددها القانون، فقد تدخل الواقعة في نطاق المادة 333 من قانون العقوبات. وهذه المادة تعاقب الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يعذب أو يأمر بتعذيب متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الاعتراف بجريمة أو الإدلاء بأقوال أو معلومات أو لكتمان أمر أو لإعطاء رأي معين، وتجعل استعمال القوة أو التهديد في حكم التعذيب. ولا تقوم المسؤولية وفق هذه المادة بسبب بطلان التفتيش ذاته، وإنما متى تحققت العناصر التي نص عليها القانون. وقد تنشأ إلى جانب المسؤولية الجنائية مسؤولية تأديبية بحق الموظف بحسب القواعد التي تنظم وظيفته، كما يمكن أن تقوم المسؤولية المدنية إذا ترتب على التصرف غير المشروع ضرر توافرت بشأنه شروط التعويض. ويؤيد هذا الاتجاه ما قررته المادة 37 من الدستور من حق المتضرر من التعذيب أو الإكراه في المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي وفقاً للقانون. ومن المسائل التي لم يضع لها قانون أصول المحاكمات الجزائية تنظيماً عاماً مفصلاً وقت تنفيذ التفتيش. فلا تتضمن المواد المنظمة له قاعدة عامة تحصر إجراءه في ساعات النهار أو تمنعه بصورة مطلقة في الليل أو أيام العطل. ومع ذلك، فإن شدة الأثر الذي يحدثه دخول المسكن ليلاً تجعل من المناسب عملياً قصر هذه الصورة على الحالات التي تستدعيها الضرورة أو حالة الجريمة المشهودة أو الخشية الجدية من ضياع الدليل، بدلاً من معاملتها كخيار عادي لا يختلف عن التفتيش في الأوقات الأخرى. ويبقى هذا المقترح في نطاق السياسة التشريعية ما لم يضع المشرع قيداً زمنياً صريحاً. وتكشف الأحكام المتقدمة أن التنظيم العراقي للتفتيش يحتوي على مجموعة مهمة من الضمانات، لكنه لا يزال موزعاً بين قواعد دستورية ونصوص إجرائية عامة وتشريعات خاصة واجتهادات قضائية وفقهية تتولى معالجة المسائل التي لم ينظمها القانون تفصيلاً. وهذا التوزع هو الذي يفسر جانباً من الصعوبات التي تظهر عند البحث في أثر المخالفة أو التفتيش الرقمي أو الرضا أو الإذن في حالات الاستعجال. ولهذا تبدو الحاجة قائمة إلى تدخل تشريعي يعالج عدداً من المسائل بصورة أكثر تحديداً. فمن المناسب إعادة النظر في إطلاق المادة 75 لحسم مدى جواز التفتيش في المخالفات بما يحقق التناسب بين خطورة الجريمة وجسامة الإجراء، وإزالة الالتباس بين المادة 9/سابعاً من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي والضمانة الدستورية لحرمة المسكن، وتنظيم حالات الاستعجال التي يجرى فيها عملياً التواصل مع قاضي التحقيق قبل تثبيت موافقته كتابة. كما أصبح تنظيم التفتيش الرقمي ضرورة عملية، بحيث تحدد شروط الوصول إلى محتويات الهواتف والحواسيب والحسابات المرتبطة بها ومدى الإذن ونطاق البيانات التي يجوز فحصها. ويضاف إلى ذلك ضرورة وضع قواعد أوضح بشأن التفتيش الليلي، وحسم المركز القانوني لرضا حائز المسكن في ضوء المادة 17 من الدستور، والأهم من ذلك تقنين نظرية عامة للبطلان الإجرائي تحدد المخالفات المؤثرة وطبيعة الجزاء المترتب عليها ومدى انعكاسه على الأدلة التي تم الحصول عليها نتيجة الإجراء. فوجود شروط للتفتيش لا يحقق غايته كاملة إذا ظل الجزاء المترتب على مخالفتها محل خلاف واسع بين التطبيق والفقه. إن ضمان فعالية التحقيق الجنائي لا يقتضي إطلاق يد السلطة في التفتيش، كما أن حماية الحرية الشخصية لا تستلزم تعطيل الإجراءات اللازمة لكشف الجرائم. والتوازن بين الاعتبارين يتحقق عندما يكون التفتيش مرتبطاً بسبب قانوني واضح، وصادراً عن جهة تملك الأمر به، ومحدداً في غرضه ونطاقه، ومنفذاً وفق ضمانات قابلة للرقابة، مع وجود جزاء واضح عند تجاوز تلك الحدود. عندئذ يصبح التفتيش أداة مشروعة للوصول إلى الحقيقة لا استثناءً يتسع على حساب الحرية والخصوصية، وتتحقق الغاية الأساسية للشرعية الإجرائية في أن يكون الطريق إلى الدليل مشروعاً بقدر مشروعية الغاية التي يراد الوصول إليها.
العودة إلى المقالات