المسؤولية الجنائية عن انتحال الهوية الرقمية في ضوء قانون العقوبات العراقي
أفضى التطور المتسارع في تقنيات الاتصال والمعلومات إلى انتقال جانب متزايد من النشاط الإنساني من البيئة المادية التقليدية إلى البيئة الرقمية، فلم تعد شخصية الفرد في تعاملاته اليومية تُعرَّف حصراً باسمه أو وثائقه الرسمية، وإنما أصبحت ترتبط كذلك بمجموعة من البيانات والمعرّفات والسمات الرقمية التي تتيح التعرّف عليه أو التمييز بينه وبين غيره بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الهوية الرقمية بوصفها تمثيلاً رقمياً لمجموعة من الخصائص والبيانات المرتبطة بالشخص في البيئة الإلكترونية، مثل بيانات الحسابات، واسم المستخدم، والصورة، والبريد الإلكتروني، ووسائل المصادقة، وغيرها من المعرّفات التقنية التي قد تشمل عنوان بروتوكول الإنترنت أو ملفات تعريف الارتباط، بحسب طبيعة الخدمة والسياق التقني، من دون أن يعني ذلك أن كل معرّف تقني يشكل بمفرده هوية رقمية مكتملة أو أنه يؤدي بالضرورة إلى تحديد شخص معين بصورة قطعية. وقد صاحب هذا التحول ظهور صور جديدة من الاعتداء على الشخصية الإنسانية ومصالحها، من أبرزها انتحال الهوية الرقمية بإنشاء حساب أو صفحة أو وسيلة اتصال تحمل اسم شخص آخر أو صورته أو بياناته بما يوهم الغير بأن التعامل يجري مع صاحب الهوية الحقيقي، وهو سلوك قد يفضي، بحسب الغرض منه ونتائجه، إلى المساس بالخصوصية أو السمعة أو الذمة المالية، وقد يكون وسيلة لارتكاب جرائم أخرى كالاحتيال والتهديد والابتزاز والتشهير. وتبرز أهمية الموضوع في العراق بسبب عدم وجود، حتى تاريخ كتابة هذه الدراسة في 31 آب 2026، قانون اتحادي نافذ وموحد يعالج جرائم تقنية المعلومات في إطار تشريعي متكامل، الأمر الذي أبقى جانباً مهماً من صور السلوك الإجرامي الرقمي خاضعاً للقواعد العامة الواردة في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل والقوانين ذات الصلة، مع ما يثيره ذلك من مسائل تتعلق بمدى قابلية النصوص التقليدية للتطبيق على وقائع لم تكن البيئة الرقمية بصورتها الحالية معروفة عند تشريعها. وقد شهد عام 2026 تطوراً تشريعياً مهماً، إذ أنهى مجلس النواب في 6 تموز 2026 القراءة الأولى لمقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ثم واصلت اللجان النيابية المختصة مناقشته وإنضاجه تمهيداً للقراءة الثانية، بما يعني أن مقترح القانون لا يزال، حتى التاريخ المذكور، في طور العملية التشريعية ولم يتحول إلى قانون نافذ. ولا ينبغي الخلط في هذا المجال بين الهوية الرقمية الرسمية التي تنشأ في إطار خدمات إلكترونية موثقة وبين الحسابات والهويات الافتراضية التي ينشئها الأفراد على المنصات الخاصة. فقد نظم قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012 جانباً من المعاملات والوسائل الإلكترونية، ومنح التوقيع الإلكتروني، بموجب المادة (4/ثانياً) مقروءةً مع المادة (5)، في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، الحجية المقررة للتوقيع الخطي متى استوفى الشروط القانونية المقررة، ومنها اعتماده من جهة التصديق، وارتباطه بالموقّع، وسيطرته على الوسيط الإلكتروني، وقابلية اكتشاف ما يطرأ عليه من تعديل. ومن ثم، فإن هذه الحجية ليست مطلقة ولا تنصرف تلقائياً إلى كل حساب أو معرّف رقمي ينشئه الفرد على شبكة الإنترنت. وقد تأخر صدور التعليمات التنفيذية للقانون إلى سنة 2025، إذ نُشرت تعليمات رقم (1) لسنة 2025 لتسهيل تنفيذ قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية في العدد (4826) من جريدة الوقائع العراقية الصادر في 19 أيار 2025، وهو تطور مهم في اتجاه تفعيل البنية التنظيمية للتصديق والتوقيع الإلكتروني. وتتصل حماية الهوية الرقمية كذلك بالحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية. وفي النظم المقارنة برز مفهوم «الحق في المحو» أو «الحق في النسيان»، الذي نظمته المادة (17) من اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR)، إلا أن هذا الحق ليس مطلقاً، وإنما يمارس عند تحقق أسباب محددة ويخضع لاستثناءات تتصل، من جملة أمور، بحرية التعبير والإعلام، والالتزام القانوني، والمصلحة العامة، وإقامة الدعاوى أو الدفاع عنها. أما في العراق، فما تزال الحاجة قائمة إلى تنظيم تشريعي أكثر تكاملاً للبيانات الشخصية والحقوق الرقمية، وقد أشار الفقه العراقي الحديث إلى غياب تنظيم صريح ومتكامل للحق في النسيان الرقمي، وهو ما يجعل معالجة الأضرار الناشئة عن الاحتفاظ غير المشروع بالبيانات أو نشرها موزعة بين القواعد الدستورية والمدنية والجزائية ذات الصلة بحسب طبيعة كل واقعة. ومن الناحية الجنائية، عالج قانون العقوبات العراقي بعض صور انتحال الوظائف والصفات في المادتين (260) و(261)، فيما أجازت المادة (262) للمحكمة أن تأمر بنشر الحكم أو خلاصته في صحيفة أو أكثر في الجرائم الواردة ضمن هذا الفصل. ثم جاءت قرارات تشريعية لاحقة لتشديد العقوبة في بعض صور انتحال الوظائف العامة والعسكرية والأمنية. ويظل تطبيق هذه الأحكام على النشاط الرقمي رهناً بتوافر العناصر التي يتطلبها النص، فلا يكفي مجرد إنشاء حساب باسم مستعار أو غير حقيقي لقيام جريمة انتحال وظيفة أو صفة، وإنما يتعين النظر إلى الصفة المنتحلة، وطريقة الظهور بها أمام الغير، وطبيعة الأفعال التي باشرها الجاني، والغرض منها، والنص العقابي الذي ينطبق عليها. وإذا اتخذ الانتحال وسيلة لارتكاب جريمة أخرى، كأن يتخذ الفاعل اسماً كاذباً أو صفة غير صحيحة للحصول على مال الغير، فقد تقوم، متى توافرت عناصرها، جريمة النصب المنصوص عليها في المادة (456) من قانون العقوبات، إلى جانب ما قد يقوم من جرائم أخرى بحسب ظروف الواقعة، مع مراعاة قواعد التعدد والارتباط الجنائي. ويكتسب موضوع تزوير الهوية الرقمية أهميته الخاصة من الاجتهاد القضائي الصادر عن محكمة استئناف المثنى الاتحادية بصفتها التمييزية بالعدد (57/ت ج/2019) في 31/3/2019. وتفيد الصيغة المنشورة من القرار بأن المتهم أنشأ صفحة وهمية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي باسم المشتكي، ووضع عليها صورته الشخصية، ثم استخدمها للإساءة إلى الآخرين نكاية بشقيق المشتكي بسبب خلافات شخصية. وكانت محكمة جنح الخضر قد عاقبت المتهم ابتداءً وفق المادة (363) من قانون العقوبات، التي تجرم التسبب عمداً في إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصال السلكية أو اللاسلكية، وحكمت عليه بغرامة مقدارها خمسمائة ألف دينار، إلا أن محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية رأت أن التكييف لا يستوعب حقيقة النشاط المرتكب؛ لأن المتهم لم يقتصر على إرسال اتصال مزعج، وإنما اصطنع صفحة غير حقيقية ونسبها إلى شخص آخر واستعمل بياناته وصورته بما يوهم الغير بصدورها عنه. وقد استند القرار في تأسيس فكرته إلى تعريف التزوير الوارد في المادة (286) من قانون العقوبات، التي تعرفه بأنه تغيير الحقيقة بقصد الغش في سند أو وثيقة أو أي محرر آخر بإحدى الطرق التي يبينها القانون، تغييراً من شأنه إحداث ضرر بالمصلحة العامة أو بشخص من الأشخاص. وذهب القرار إلى أن عبارة «أي محرر آخر» يمكن أن تستوعب المحررات غير الورقية، ومنها المحررات الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، واستأنس في هذا الاتجاه بتعريف المستند الإلكتروني الوارد في قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012. ويكشف هذا الاتجاه عن محاولة قضائية لتطويع المفاهيم التقليدية للتزوير مع التطور التقني، إلا أنه لا يعفي الباحث من إخضاع هذا الاجتهاد لنقد قانوني دقيق في ضوء مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ووجوب عدم التوسع في تفسير النص الجزائي بما ينشئ تجريماً لم يقرره المشرع. وتظهر في الصيغة المنشورة للقرار مسألة قانونية تستحق عناية خاصة؛ فقد ورد فيها أن فعل اصطناع الصفحة ينطبق على المادة (292) من قانون العقوبات، كما ورد أن استعمالها يخضع للمادة (298) بدلالة المادة (292). غير أن الرجوع إلى البناء التشريعي لقانون العقوبات يظهر أن المواد (291-294) تقع ضمن الفرع المتعلق بصورة خاصة من التزوير في المحررات الرسمية، وأن المادة (292) تتناول حالات الحصول بانتحال اسم أو شخصية كاذبة على بعض الرخص أو وثائق الهوية والتصاريح الرسمية واصطناع محررات من هذا القبيل، في حين أن المشرع أفرد المادة (295) لتزوير المحررات العادية، ونص في فقرتها الثانية على التزوير في أي محرر عادي آخر. ومن ثم، فإن وصف المادة (292) بأنها المادة الخاصة بتزوير المحررات العادية لا يتفق مع النص التشريعي. ولا يمكن، مع عدم توافر صورة رسمية أصلية للقرار في المصادر المنشورة التي أمكن الرجوع إليها، القطع بما إذا كانت الإحالة إلى المادة (292) تعبر عن التكييف الذي اعتمدته المحكمة فعلاً أم أنها نتيجة خطأ مادي في نقل القرار أو نشره؛ ولذلك تقتضي الأمانة العلمية إثبات هذه الملاحظة وعدم تجاوزها، مع الدعوة إلى الرجوع إلى نسخة القرار القضائي الأصلية قبل بناء نتيجة قطعية عليها. أما المادة (298) من قانون العقوبات فقد عالجت استعمال المحرر المزور، وعاقبت بالعقوبة المقررة لجريمة التزوير، بحسب الأحوال، من يستعمل المحرر المزور مع علمه بتزويره. وبذلك فإن جريمة الاستعمال لها كيانها القانوني المستقل، ويتعين لتحققها إثبات فعل الاستعمال والعلم بالتزوير وسائر العناصر التي يقتضيها القانون. كما أن المادة (132) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لا تتعلق بدمج العقوبات، وإنما تقضي باتخاذ الإجراءات ضد المتهم في دعوى واحدة، من بين حالات أخرى، عندما تكون الجرائم ناتجة عن أفعال مرتبطة بعضها ببعض يجمع بينها غرض واحد؛ ولذلك فإن أثر الارتباط في القضية محل البحث أثر إجرائي يتعلق بجمع الإجراءات، ولا يجوز وصفه بأنه دمج للعقوبات. وتثير جريمة التزوير كذلك مسألة الجرائم المخلة بالشرف. ويُعد التزوير من الجرائم المخلة بالشرف، إذ أوردته المادة (21/6) من قانون العقوبات العراقي صراحةً ضمن الجرائم المخلة بالشرف. غير أن الآثار المترتبة على الحكم به لا يجوز تعميمها بصورة مطلقة، إذ تختلف الآثار الوظيفية والانتخابية والمدنية بحسب التشريع الخاص الواجب التطبيق، وصفة المحكوم عليه، وطبيعة الحكم ودرجته وقطعيته، ومدى تحقق شروط رد الاعتبار أو غيرها من الأحكام ذات الصلة. ومن ثم، لا يصح القول إن كل حكم في تزوير رقمي يؤدي حكماً وبصورة دائمة إلى العزل من الوظيفة العامة أو الحرمان من التعيين أو الترشح في جميع الأحوال، وإنما ينبغي فحص كل أثر في ضوء النص التشريعي الذي يقرره. وقد يكون انتحال الهوية الرقمية مرحلة تمهيدية لجرائم أخرى أكثر خطورة. فإذا استخدم الجاني هوية شخص أو مؤسسة لإيهام الغير بوجود مشروع أو صفقة أو واقعة كاذبة وحمله نتيجة ذلك على تسليم مال، أمكن بحث الواقعة في ضوء المادة (456) من قانون العقوبات متى اكتملت عناصر النصب. وتزداد صعوبة التحقيق عندما تنتقل الأموال عبر منصات أو أصول رقمية أو جهات موجودة خارج العراق؛ غير أن القول باستحالة تتبع العملات المشفرة لا يكون دقيقاً من الناحية التقنية، فالعديد من شبكات السجلات الموزعة، ومنها شبكة البتكوين، تتيح تتبع حركة الأموال على السلسلة، بينما تكمن الصعوبة العملية في إسناد عنوان المحفظة إلى شخص طبيعي، ولا سيما عند استخدام خدمات خارج الولاية العراقية أو محافظ غير حاضنة أو وسائل تقنية تهدف إلى إخفاء الصلة بين المستخدم والمعاملة. كما أن البنك المركزي العراقي لا يرخص شركات تداول العملات المشفرة وفق بياناته المنشورة، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند تحليل البيئة التنظيمية المحلية. ويبرز الابتزاز الإلكتروني بدوره بوصفه من أبرز الصور الإجرامية التي قد تقترن بانتحال الهوية أو الاستيلاء على الحسابات أو تركيب الصور والمقاطع. وتطبق نصوص التهديد في المواد (430) وما بعدها بحسب صورة الفعل وشروطه، وتكون المادة (430) ذات أهمية خاصة عندما يقترن التهديد بطلب أو تكليف بأمر أو الامتناع عنه في الأحوال التي حددها القانون. وقد أضاف تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق بعداً جديداً لهذه الجرائم، إذ أصبح ممكناً اصطناع صور وأصوات ومقاطع مرئية شديدة الواقعية واستخدامها للتهديد أو الاحتيال أو التشهير أو انتحال الشخصيات. وقد أشار مجلس القضاء الأعلى في تقارير منشورة سنة 2025 إلى أن غياب نص جزائي خاص بالذكاء الاصطناعي لا يحول دون تكييف النتائج الإجرامية الناشئة عن استخدامه، كالابتزاز والتهديد والتزوير والاحتيال، وفق النصوص النافذة متى استوفت الوقائع أركان كل جريمة، مع بقاء الحاجة إلى خبرة فنية متخصصة قادرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع. وفي جانب آخر، يكشف قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012 عن حاجة إلى تطوير الجانب الجزائي المتصل بالثقة الرقمية. فالقانون ينظم التوقيع الإلكتروني والمستندات الإلكترونية وجهات التصديق، لكنه لا يقدم منظومة عقابية تفصيلية مستقلة لجميع صور الاعتداء على مفاتيح التوقيع أو وسائل التصديق أو انتحالها، وهو ما يثير مسألة مدى كفاية الرجوع إلى القواعد العامة في قانون العقوبات. وقد مثل صدور تعليمات رقم (1) لسنة 2025 خطوة عملية مهمة في تفعيل القانون، إلا أن اكتمال التحول نحو خدمات الثقة الرقمية يقتضي أن تسير البنية التنظيمية والفنية جنباً إلى جنب مع حماية جنائية واضحة ومتناسبة. أما مقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجاري بحثه في مجلس النواب سنة 2026، فيجب تقييمه بوصفه نصاً لا يزال في طور التشريع وقابلاً للتعديل، لا بوصفه قانوناً نافذاً أو صيغة نهائية مستقرة. وتشير المعلومات المنشورة عن النسخة التي جرت قراءتها أولياً إلى أنها تضم اثنتين وثلاثين مادة وتتضمن عقوبات مالية وجزائية مشددة، وقد أثارت بعض صياغاتها، ولا سيما المصطلحات الواسعة المتعلقة بالمحتوى والأمن والنظام العام، نقاشاً حقوقياً حول مدى الوضوح والتناسب وضمان حرية التعبير والإعلام. ويقتضي التقييم القانوني السليم التفريق بين النسخة البرلمانية الحالية وبين مقترحات ومشاريع ومسودات سابقة أثارت بدورها اعتراضات من منظمات حقوقية؛ لأن انتقال النقد الموجه إلى نسخة سابقة وإسناده إلى نص أحدث من دون مقارنة بينهما يخل بالدقة العلمية. والمطلوب تشريعياً ليس الاكتفاء بتشديد العقوبات، بل وضع تعريفات منضبطة، وتحديد أركان الجرائم بدقة، وضمان التناسب بين الفعل والجزاء، وحماية الحقوق والحريات الدستورية، وإنشاء قواعد إجرائية واضحة لحفظ الدليل الرقمي والوصول إليه وتبادله. ويعد الإثبات الرقمي من أكثر جوانب الموضوع تعقيداً؛ فالدليل الإلكتروني يتمثل في بيانات يمكن أن تكون مخزنة على أجهزة مادية أو نظم شبكية أو خدمات سحابية، وقد تكون قابلة للتغيير أو الحذف أو النسخ بسهولة. ولذلك قد لا يكفي، في كثير من الوقائع، مجرد ضبط الجهاز أو الاكتفاء بصورة شاشة لإقامة إسناد فني متكامل، وإنما تتطلب الممارسة الجنائية الرقمية السليمة توثيق مصدر الدليل وكيفية الحصول عليه، والمحافظة على سلسلة حيازته، واستخدام أدوات فنية موثوقة لاستخراجه، وتسجيل القيم التجزئية عند الاقتضاء لإثبات عدم التغيير، مع احترام الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بالتفتيش والخصوصية. كما أن عناوين بروتوكول الإنترنت لا تكفي بمفردها دائماً لنسبة الفعل إلى شخص بعينه، بسبب العناوين الديناميكية والشبكات المشتركة والشبكات الافتراضية الخاصة وغيرها، الأمر الذي يقتضي جمعها مع أدلة فنية وشخصية وموضوعية أخرى. وإذا كانت البيانات موجودة لدى شركة أو مزود خدمة خاضع لولاية أجنبية، فإن الحصول عليها قد يتأثر بقواعد الدولة الأجنبية وسياسات المزود وآليات التعاون القضائي الدولي، وهو ما يجعل تطوير قنوات التعاون العابر للحدود جزءاً ضرورياً من السياسة الجنائية الحديثة. وعلى الصعيد العملي، توجد في العراق قنوات رسمية يمكن اللجوء إليها للإبلاغ عن بعض الجرائم الرقمية؛ فجهاز الأمن الوطني العراقي يعلن الرقم الساخن المجاني (131) للإبلاغ عن الابتزاز الإلكتروني وانتحال الصفة إلى جانب الجرائم والتهديدات الأخرى الداخلة في اختصاصه، كما تستخدم الشرطة المجتمعية التابعة لوزارة الداخلية الرقم (497) لاستقبال البلاغات وتقديم الدعم في قضايا اجتماعية وجرائم من بينها الابتزاز الإلكتروني. وينبغي في البحوث المنشورة تجنب إدراج أي رقم آخر بوصفه خطاً متخصصاً للجرائم الإلكترونية ما لم يكن ذلك ثابتاً في مصدر رسمي حديث؛ لأن اختصاصات الخطوط والأرقام المؤسسية قابلة للتغيير. ويتضح مما تقدم أن الإشكال في المسؤولية الجنائية عن انتحال الهوية الرقمية في العراق لا يرجع إلى غياب الحماية القانونية بالكامل، بل إلى تشتتها بين نصوص وُضعت في الأصل لبيئة تقليدية، وإلى الحاجة إلى تحديد الحدود التي يجوز عندها تفسير هذه النصوص لتشمل المحررات والوقائع الإلكترونية من دون تجاوز مبدأ الشرعية. وقد قدم القضاء العراقي في القرار رقم (57/ت ج/2019) محاولة مهمة لاستيعاب اصطناع الصفحات المنسوبة إلى الغير ضمن مفهوم التزوير، غير أن هذا الاتجاه ذاته يكشف الحاجة إلى تدخل المشرع؛ فكلما اضطر القضاء إلى توسيع المفاهيم القديمة لاستيعاب سلوك تقني جديد، ازدادت أهمية وجود نصوص صريحة تحدد الفعل المجرم وأركانه وعقوبته وتزيل احتمالات تضارب التكييف. كما أن التناقض الظاهر بين إحالة الصيغة المنشورة للقرار إلى المادة (292) وبين وضع المشرع تزوير المحررات العادية في المادة (295) يمثل مثالاً واضحاً على ضرورة الجمع بين احترام الاجتهاد القضائي ونقده في ضوء النص التشريعي. وبناءً على ذلك، فإن السياسة التشريعية الأنسب لا تتمثل في سن قانون عقابي واسع المصطلحات وشديد العقوبات فحسب، وإنما في بناء منظومة متكاملة تبدأ بتعريف واضح للهوية والبيانات والمحررات والأدلة الرقمية، وتجريم صور انتحال الهوية الرقمية التي تحدث ضرراً أو تستخدم لتحقيق غرض غير مشروع، وتحديد المسؤولية عن اصطناع واستعمال وسائل الهوية الإلكترونية المزيفة، وتنظيم حجية الدليل الرقمي في المجال الجنائي وسلسلة حيازته وإجراءات حفظه واستخراجه، وإقرار ضمانات متناسبة لحماية الخصوصية وحرية التعبير والصحافة، وتطوير قانون التوقيع الإلكتروني وآليات التصديق، وتدريب القضاة والمحققين والخبراء على الفحص الجنائي الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون القضائي الدولي في طلب البيانات وحفظها واسترداد العائدات الجرمية. ومن شأن هذه المعالجة أن تحقق توازناً أكثر دقة بين حماية الفرد والدولة من الجريمة الرقمية من جهة، وصيانة مبدأ الشرعية والحقوق والحريات الدستورية من جهة أخرى، وهو التوازن الذي ينبغي أن يشكل الأساس لأي تشريع عراقي مستقبلي في مجال جرائم تقنية المعلومات.
العودة إلى المقالات