
التزييف العميق (Deepfake) والمسؤولية الجنائية في القانون العراقي
أصبح التزييف العميق واحدًا من المسائل التي تضع القانون الجنائي أمام اختبار مختلف عن ذلك الذي اعتاده في التعامل مع وسائل ارتكاب الجريمة التقليدية، ليس لأن الذكاء الاصطناعي أنشأ بالضرورة أنماطًا إجرامية لا يعرفها القانون، وإنما لأنه أتاح للفاعل وسائل غير مسبوقة في قدرتها على اصطناع واقع رقمي يبدو في ظاهره حقيقيًا. فالصورة لم تعد دليلًا على حصول الواقعة لمجرد أنها صورة، والصوت لم يعد كافيًا لإثبات صدوره عمن يشبهه، كما أن مقطع الفيديو قد يُنشأ أو يعدل بطريقة يظهر معها شخص وهو يتحدث أو يتصرف على نحو لم يصدر عنه أصلًا. ويقوم التزييف العميق، في جوهره التقني، على توظيف تقنيات التعلم العميق والذكاء الاصطناعي في إنشاء أو معالجة المحتوى المرئي أو الصوتي بما يسمح بمحاكاة ملامح الأشخاص وأصواتهم وحركاتهم بدرجات متفاوتة من الدقة، غير أن أهميته القانونية لا تتحدد بالتقنية المستخدمة في ذاتها، بل بالغاية التي سخرت من أجلها وبالأثر الذي ترتب عليها. فقد يستخدم المحتوى المصطنع في الابتزاز، أو التشهير، أو انتحال الهوية، أو الاحتيال، أو الاعتداء على الخصوصية، أو اصطناع مادة يراد تقديمها بوصفها دليلًا على واقعة لم تحدث، وهو ما يفرض التمييز منذ البداية بين إنشاء المحتوى بصفته فعلًا تقنيًا وبين استعماله في نشاط تتوافر فيه أركان جريمة معاقب عليها قانونًا. وتبدو هذه المسألة أكثر دقة في العراق لعدم وجود، حتى الوقت الحاضر، نص اتحادي نافذ يجرّم التزييف العميق بوصفه جريمة قائمة بذاتها تحت هذا الاسم، الأمر الذي يجعل البحث في المسؤولية الجزائية خاضعًا للنصوص العامة والخاصة النافذة في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل وغيره من التشريعات ذات الصلة. وهذه النتيجة ليست مجرد مسألة في التسمية القانونية، بل ترتبط مباشرة بمبدأ الشرعية الجنائية الذي قررته المادة (19/ثانيًا) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بقاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، وأكده قانون العقوبات في مادته الأولى حين منع العقاب على فعل أو امتناع لم يكن القانون قد جرّمه وقت اقترافه. ومؤدى ذلك أن القاضي الجزائي لا يستطيع، تحت ضغط التطور التقني أو جسامة الضرر، أن ينشئ جريمة جديدة باسم التزييف العميق أو أن يتوسع في تفسير النص العقابي إلى حد إدخال سلوك لا يحتمله، لكنه يستطيع، بل يتعين عليه، أن يبحث فيما إذا كانت الواقعة المعروضة أمامه تستجمع عناصر جريمة قائمة فعلًا في التشريع النافذ. ومن هنا يكون الأدق النظر إلى التزييف العميق، في أغلب تطبيقاته الحالية، باعتباره وسيلة قد تدخل في تنفيذ الجريمة وليست وصفًا قانونيًا مستقلًا لها. فإذا اصطنع شخص صورة أو تسجيلًا ولم يستخدمه في فعل يجرمه القانون، فإن مجرد استعمال تقنية الذكاء الاصطناعي لا يكفي بذاته لإقامة المسؤولية الجزائية ما لم يوجد نص ينطبق على السلوك المرتكب، أما إذا أنشأ المحتوى أو استعمله لتهديد شخص أو ابتزازه أو خداعه والاستيلاء على ماله أو النيل من شرفه واعتباره، فإن التكييف ينتقل إلى الجريمة التي تحققت عناصرها في الواقعة، وتصبح التقنية أداة لتنفيذ السلوك الإجرامي أو وسيلة لإحكامه. ويظهر ذلك بصورة واضحة في الابتزاز الإلكتروني، وهو من أكثر المجالات التي يمكن أن يوفر فيها المحتوى المصطنع وسيلة فعالة للضغط على المجني عليه، إذ قد يعمد الجاني إلى تركيب صورة أو إنشاء مقطع يبدو فيه المجني عليه في وضع يمس شرفه أو اعتباره، ثم يهدده بنشره ما لم يدفع مبلغًا من المال أو يقدم منفعة أو يقوم بفعل معين أو يمتنع عنه. في هذه الصورة لا تقوم المسؤولية لأن الجاني استخدم الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما لأن استعماله للمادة المصطنعة اقترن بتهديد مصحوب بطلب أو تكليف على النحو الذي يعاقب عليه قانون العقوبات. وقد ظهر لهذا التكييف تطبيق قضائي عراقي مباشر حين أصدرت محكمة جنايات الرصافة في 18 آب 2025 حكمًا بالسجن لمدة ست سنوات بحق مدان قام بتهديد فتاة بنشر صور مفبركة لها باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وطالبها بدفع مبالغ مالية، فصدر الحكم استنادًا إلى المادة (430/1) من قانون العقوبات وبدلالة مواد الاشتراك (47 و48 و49). وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من أنها تكشف بصورة عملية عن الطريقة التي يستطيع بها القضاء التعامل مع التقنية الجديدة من دون افتراض وجود جريمة مستقلة لم ينص عليها المشرع؛ فالصور المفبركة كانت وسيلة للتهديد، في حين استمد التجريم والعقاب من النص الذي يحكم التهديد المصحوب بطلب. ولا يعني ذلك أن كل استعمال لمحتوى مزيف يخضع للمادة ذاتها، لأن اختلاف الغاية والسلوك والنتيجة يؤدي بالضرورة إلى اختلاف التكييف القانوني. فإذا لم يقترن نشر المحتوى بطلب أو تهديد، وكان المقصود منه إسناد واقعة معينة إلى شخص على نحو من شأنه، لو صحت الواقعة، أن يوجب عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه، فقد تدخل الواقعة في نطاق القذف المنصوص عليه في المادة (433) من قانون العقوبات متى تحققت شروطه، بينما يتجه الوصف إلى السب وفق المادة (434) إذا انصب الاعتداء على شرف الشخص أو اعتباره أو شعوره من دون إسناد واقعة معينة. ولا يخرج استعمال الوسائط الرقمية أو مواقع التواصل الاجتماعي في ذاته هذه الجرائم من نطاق أحكامها؛ إذ تعامل القضاء والكتابات القضائية العراقية منذ سنوات مع إمكان وقوع القذف والسب بواسطة الوسائل الإلكترونية متى تحققت العلانية والعناصر التي يتطلبها النص. وتبرز هنا خصوصية التزييف العميق، لأن الضرر لا ينشأ دائمًا عن عبارة مكتوبة أو تصريح مباشر، بل قد يقع من خلال صورة أو مشهد مصطنع يحمل في ذاته إسنادًا ضمنيًا لواقعة لم تحدث. وهذا يقتضي من جهة التحقيق والمحكمة النظر إلى دلالة المحتوى والظروف التي نشر فيها ومدى تعيين الشخص المقصود به وطريقة تداوله، بدل الاكتفاء بالسؤال عما إذا كان المحتوى مكتوبًا أو منطوقًا. كما قد تثار أحكام المادة (438) من قانون العقوبات حين يتعلق النشر بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية، إلا أن تطبيق هذا النص ينبغي أن يتم بدقة، لأن الحماية التي يوفرها تتصل بنشر أخبار أو صور أو تعليقات مرتبطة بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية بالشروط الواردة فيه، ولا يصح افتراض انطباقه آليًا على كل صورة جرى تركيبها أو اصطناعها. فقد تكون المادة المنشورة زائفة بالكامل ولا تكشف سرًا حقيقيًا من أسرار المجني عليه، فيكون الاعتداء على السمعة أو الاعتبار هو الوصف الأقرب، بينما قد يكون التزييف قد بُني على صور خاصة حقيقية أو اقترن بنشر معلومات أو مشاهد من الحياة الخاصة، فتتداخل عندئذ المصالح المحمية ويتوقف تحديد النص الواجب التطبيق على تفاصيل الواقعة. أما في الاحتيال، فإن قيمة التزييف العميق تظهر عندما يستخدم الجاني صورة أو صوتًا أو شخصية رقمية مصطنعة لإحداث الخداع وحمل المجني عليه على تسليم مال أو نقل حيازته. ويمكن تصور ذلك في انتحال صوت قريب للمجني عليه وطلب تحويل مبلغ مالي بدعوى التعرض لحالة طارئة، أو في محاكاة صوت مدير أو مسؤول في مؤسسة لإصدار تعليمات مالية زائفة، أو في تقديم شخصية مصطنعة لإيهام شخص بحقيقة غير موجودة. ولا يكفي، مع ذلك، وجود الانتحال الصوتي أو البصري لقيام الاحتيال؛ فالواقعة لا تخضع لأحكام المادة (456) إلا إذا توافرت العناصر التي يتطلبها النص، وفي مقدمتها استعمال وسيلة احتيالية تؤدي إلى تسليم أو نقل حيازة مال منقول مملوك للغير. وهذه التفرقة ضرورية لأن التقنية الواحدة يمكن أن تستخدم في أكثر من نشاط، ولا يجوز أن تستمد الجريمة وصفها من البرنامج أو الأداة التي استعملت فيها، وإنما من السلوك الذي قصده الفاعل والنتيجة التي رتبها القانون عليه. وينعكس ذلك أيضًا على الركن المعنوي. فليس من الدقة وضع قصد جنائي واحد لجميع صور التزييف العميق؛ لأن القصد يتحدد بحسب الجريمة التي ينسب إلى المتهم ارتكابها. وفي الأحوال العمدية يظل الأصل، وفق المادة (33) من قانون العقوبات، أن المسؤولية تقوم على اتجاه إرادة الفاعل إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة مع علمه بالعناصر التي يتطلبها القانون، إلا أن ما يلزم إثباته في جريمة التهديد ليس بالضرورة مطابقًا لما يلزم إثباته في الاحتيال أو القذف. كما أن مجرد إنشاء شخص لمحتوى مصطنع لا يثبت من تلقاء نفسه أنه قصد استعماله في جريمة؛ فقد يكون المحتوى ساخرًا أو فنيًا أو تعليميًا أو منتجًا بموافقة صاحبه. أما إذا دلّت الرسائل أو المراسلات أو طريقة النشر أو الطلبات الموجهة إلى المجني عليه أو غيرها من الأدلة على أن الإنشاء تم بقصد التهديد أو الخداع أو الإضرار، فإن هذه الوقائع تدخل في تقدير القصد الجنائي مع بقية أدلة الدعوى. ويكتسب هذا التحليل أهمية خاصة عند تعدد الأشخاص المشاركين في صناعة المحتوى أو نشره. فالمسؤولية الجزائية شخصية، ولا يجوز إسناد فعل المستخدم إلى مطور البرنامج أو الشركة التي وفرت أداة عامة لمجرد أن تقنيتها استعملت في ارتكاب الجريمة، مثلما لا تكفي إعادة نشر المادة المصطنعة في كل الأحوال لاعتبار الناشر شريكًا في الجريمة الأصلية. المسؤولية هنا تتطلب الرجوع إلى قواعد الفاعل والشريك وإثبات صورة المساهمة التي يقررها القانون، فضلًا عن توافر العلم والإرادة متى كان النص يتطلبهما. فمن يعلم بزيف المحتوى ويتفق مع منشئه على نشره تنفيذًا لخطة ابتزاز أو تشهير ليس في المركز القانوني ذاته لشخص تلقى المقطع وظنه صحيحًا ثم أعاد إرساله من غير علم بحقيقته. ولا يجوز اختصار هذه الفروق الدقيقة بقاعدة عامة تجعل كل من مرّ المحتوى عبر حسابه مسؤولًا جزائيًا عنه. ومن المسائل التي تستحق قدرًا أكبر من الحذر محاولة إخضاع جميع صور التزييف العميق لأحكام تزوير المحررات. فالتزوير في قانون العقوبات له نطاقه وشروطه ومحلّه القانوني، وليس كل تغيير للحقيقة، بالمعنى اللغوي أو التقني، تزويرًا بالمفهوم الجزائي. كما أن صدور قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012 وتنظيمه للكتابة والمحررات الإلكترونية لا يؤدي بذاته إلى اعتبار كل تسجيل صوتي أو صورة أو فيديو مصطنع محررًا بالمعنى الذي تقوم به إحدى جرائم التزوير. وقد يصبح التكييف ممكنًا إذا انصب التلاعب على محرر إلكتروني مستوفٍ لطبيعته القانونية أو استعملت التقنية لتغيير بيانات وثيقة أو سند بقصد الغش، إلا أن مساواة كل ملف رقمي مفبرك بالمحرر المزور تنطوي على توسع لا ينسجم مع الطبيعة الصارمة للنصوص العقابية. ولهذا يكون من الأسلم قانونًا بحث الواقعة في ضوء الجريمة التي تحققت عناصرها فعلًا بدل محاولة جرها إلى باب التزوير لمجرد أن المحتوى يتضمن تغييرًا للحقيقة. على أن أخطر ما يطرحه التزييف العميق قد لا يكون في تحديد النص العقابي فقط، بل في مجال الإثبات الجزائي ذاته. فالتسجيل المرئي أو الصوتي كان يستمد جانبًا كبيرًا من قوته الإقناعية من الاعتقاد بأن ما يظهر فيه يمثل واقعة حدثت أمام آلة التسجيل، أما القدرة على اصطناع الصورة والصوت على نحو بالغ الإقناع فقد جعلت هذا الافتراض محل مراجعة. ولا يعني ذلك سقوط قيمة التسجيلات الرقمية أو فقدانها حجيتها، وإنما يعني أن المحكمة قد تحتاج، كلما ثار نزاع جدي في أصالة المادة أو ظهرت مؤشرات على التلاعب بها، إلى سند فني يسمح بتحديد مصدرها ومدى تعرضها للتعديل. ويتلاءم ذلك مع نظام الإثبات الجزائي العراقي الذي يمنح محكمة الموضوع، بموجب المادة (213/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل، سلطة تكوين قناعتها من الأدلة المقدمة في التحقيق والمحاكمة، ومن بينها تقارير الخبراء والفنيين والقرائن وغيرها من الأدلة المقررة قانونًا. وفي قضايا التزييف العميق تصبح الخبرة الرقمية ذات أهمية خاصة لأنها قد تتناول البيانات الوصفية للملف، وآثار المعالجة، والتناقضات في الصوت أو الصورة، ومصدر التسجيل وتسلسل انتقاله، وغير ذلك من المؤشرات الفنية التي لا يستطيع القاضي الوصول إليها بالمعاينة المجردة وحدها. ومع ذلك فإن التقرير الفني لا يحل محل سلطة المحكمة في تقدير الدليل، وإنما يدخل ضمن مجموعة الأدلة التي تخضع للمناقشة والموازنة، شأنه في ذلك شأن سائر الخبرات الفنية. ومن التطورات ذات الدلالة في هذا المجال أن مجلس القضاء الأعلى استضاف في 16 أيلول 2026 اجتماعًا شارك فيه ممثلون عن جهات قضائية وأمنية وفنية لمناقشة إعداد دليل استرشادي متكامل يتعلق بطبيعة الأدلة الرقمية في جرائم الابتزاز الإلكتروني، ويتضمن آلية عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على التزييف وأسس التعامل معها. وأهمية هذه الخطوة أنها تعكس انتقال المسألة من نطاق النقاش النظري إلى الحاجة المؤسسية لوضع منهج فني وقضائي موحد في التعامل مع الأدلة التي يمكن اصطناعها أو التلاعب بها، مع ملاحظة أن الحديث، في التاريخ المذكور، كان عن إعداد الدليل ومناقشة محتواه وليس عن صدور دليل نهائي نافذ. ويظل الجانب التشريعي هو الحلقة التي تحتاج إلى معالجة أكثر وضوحًا. فقد أنهى مجلس النواب في 6 تموز 2026 القراءة الأولى لمقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، واستمرت لجنة الأمن والدفاع النيابية بعد ذلك في مناقشة مواده واستضافة الجهات المختصة لإنضاجه، وكان المقترح في 21 أيلول 2026 لا يزال في طور استكمال متطلباته التشريعية تمهيدًا لرفعه إلى رئاسة المجلس وإدراجه لغرض القراءة الثانية. ولذلك لا يجوز التعامل معه بوصفه قانونًا نافذًا أو الاستناد إلى ما قد تتضمنه مسوداته المتداولة كأحكام ملزمة، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه مؤشرًا على إدراك الحاجة إلى إطار تشريعي أكثر اتصالًا بالجرائم التي ترتكب باستخدام التقنيات الحديثة. وإذا اتجه المشرع العراقي إلى تنظيم التزييف العميق مستقبلًا، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في مجرد إدراج اسمه في نص عقابي جديد، بل في صياغة حكم يميز بين الاستخدام المشروع والاستخدام الضار، ويحصر التجريم في الحالات التي تنطوي على اعتداء محدد على حق أو مصلحة يحميها القانون. فالتجريم الواسع لمجرد إنشاء محتوى مصطنع قد يصطدم بالاستخدامات المشروعة للتقنية في الفن والتعليم والمحاكاة والبحث، بينما ترك الأفعال الضارة بالكامل للقواعد التقليدية قد يثير صعوبات حين لا تستوعب تلك القواعد بعض صور الانتحال الرقمي أو الاستغلال غير الرضائي للسمات البيومترية أو نشر المحتوى المصطنع الذي لا يطابق تمامًا الصور التقليدية للقذف أو الخصوصية أو التزوير. ويمكن معالجة ذلك من خلال نصوص دقيقة تحدد مفهوم المحتوى الاصطناعي أو المعدل جوهريًا، وتربط المسؤولية بعلم الفاعل بطبيعة المحتوى وبقصده الإضرار أو التضليل في المجالات التي تستوجب الحماية الجنائية، مع تشديد الحماية في الحالات التي تستخدم فيها التقنية لابتزاز الأشخاص أو الاستيلاء على أموالهم أو استغلال القاصرين أو اصطناع أدلة بقصد التأثير في إجراءات قضائية. كما ينبغي أن يسير التنظيم الموضوعي جنبًا إلى جنب مع تطوير قواعد حفظ الدليل الرقمي وفحصه، لأن تجريم الفعل من دون قدرة فنية على إثبات نسبة المحتوى إلى منشئه والتحقق من مراحل تعديله لن يوفر الحماية المطلوبة في الممارسة. ومن ثم فإن المشكلة التي يثيرها التزييف العميق في القانون العراقي لا يمكن اختزالها في القول بوجود فراغ تشريعي كامل ولا في الزعم بأن النصوص الحالية تكفي لجميع صوره؛ فالحقيقة تقع بين الأمرين. القواعد النافذة قادرة على استيعاب عدد مهم من التطبيقات عندما يكون التزييف وسيلة لتهديد أو ابتزاز أو قذف أو احتيال أو اعتداء آخر تتوافر عناصره القانونية، وقد أثبت التطبيق القضائي بالفعل إمكان ملاحقة بعض صور المحتوى المفبرك بالذكاء الاصطناعي وفق النصوص القائمة. غير أن هذه القدرة لا تلغي وجود مناطق يصعب إخضاعها للنصوص التقليدية من دون توسع يتعارض مع مبدأ الشرعية، كما لا تعالج وحدها المشكلات التي يثيرها اصطناع الهوية والصوت والصورة، أو صعوبة التحقق من الدليل الرقمي، أو توزيع المسؤولية بين المشاركين في إنتاج المحتوى وتداوله. ولهذا فإن المسار الأكثر اتساقًا مع أصول القانون الجنائي هو استمرار تطبيق النصوص النافذة على الوقائع التي تستوفي أركانها من دون تحميلها ما لا تحتمل، بالتوازي مع بناء تنظيم تشريعي متخصص يواجه الخصائص الحقيقية لهذه التقنية ويضع حدودًا واضحة بين الاستخدام المشروع والسلوك الذي يستحق التجريم. فالعدالة الجنائية لا تحمي المجتمع بالتوسع في العقاب خارج النص، مثلما لا تستطيع حماية الحقوق إذا ظلت أدواتها القانونية والفنية ثابتة أمام وسيلة تتغير قدرتها على الخداع يومًا بعد يوم؛ وموازنة هذين الاعتبارين هي التي ينبغي أن توجه موقف المشرع والقضاء من التزييف العميق في المرحلة المقبلة.
العودة إلى المقالات