
التعويض عن الضرر الأدبي في القانون العراقي
تنبع أهمية الحماية القانونية للحقوق الملازمة للشخصية الإنسانية من أن وجود الإنسان لا يقتصر على ما يملكه من أموال أو ما يدخل في ذمته المالية، وإنما يمتد إلى قيمه المعنوية وكرامته الذاتية واعتباره الاجتماعي وحرياته العامة. وقد ظل الضرر المادي، زمناً طويلاً، يحتل الموقع الأبرز في نطاق المسؤولية المدنية، لما يترتب عليه من مساس مباشر بالذمة المالية وإمكان تقدير آثاره على أساس حسابي واضح. غير أن تطور الفكر القانوني والوعي القضائي كشف عن حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن الاعتداء قد يصيب الإنسان في جانب لا يرتبط بأمواله، ومع ذلك يترك في نفسه وحياته الاجتماعية آثاراً قد تكون أشد وطأة من الخسارة الاقتصادية ذاتها. ومن هذه الزاوية ظهر الضرر غير المالي، أو الضرر الأدبي، باعتباره صورة من صور الأذى الذي لا ينال من ثروة المضرور، وإنما يصيب شعوره وعاطفته وكرامته وشرفه وسمعته ومكانته بين الناس. ولم يستقر الفقه والقضاء على صياغة واحدة لتعريف الضرر الأدبي، إذ تعددت الاتجاهات تبعاً للزاوية التي نظر منها كل اتجاه إلى طبيعته. فذهب جانب من الفقه إلى تعريفه من خلال الصور التي يظهر فيها، وعدّه الأذى الذي يصيب الشخص في شرفه أو سمعته أو عاطفته أو مركزه الاجتماعي، بينما اتجه جانب آخر إلى تعريفه بالمقابلة مع الضرر المادي، باعتباره كل إخلال بمصلحة أو حق غير مالي لا يمس الذمة المالية للفاعل ولا يترتب عليه فقد مالي مباشر. وقدم الدكتور سليمان مرقس تعريفاً جامعاً أقرته المراجع الأكاديمية والمحاكم العراقية، ومفاده أن الضرر الأدبي هو كل مساس بحق أو مصلحة مشروعة يسبب لصاحب الحق أو المصلحة أذى في مركزه الاجتماعي أو عاطفته أو شعوره، ولو لم يترتب عليه خسارة مالية. وفي الاتجاه ذاته، عرّفته محكمة التمييز العراقية في قرارها المرقم 25/مدنية أولى/1979 الصادر بتاريخ 16/2/1980 بأنه الضرر الذي يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معنى من المعاني التي يحرص الناس عليها، ثم أكدت في قرارها المرقم 75/مدنية أولى/92 الصادر بتاريخ 26/2/1992 أنه يتمثل في المساس بصفات الحرية والعرض والشرف والسمعة والمركز الاجتماعي والاعتبار المالي. ويقوم التمييز بين الضرر المادي والضرر الأدبي، في جوهره، على طبيعة المحل الذي وقع عليه الاعتداء والآثار التي ترتبت على الفعل الضار. فالضرر المادي يصيب حقاً أو مصلحة مالية، كالملكية أو الديون، ويؤدي إلى نقص في الذمة المالية يمكن تقويمه بالنقود، سواء في صورة الخسارة اللاحقة أو الكسب الفائت طبقاً للمادة (207/1) من القانون المدني العراقي. أما الضرر الأدبي فينصب على حقوق لصيقة بالشخصية أو على مصالح معنوية لا تخضع بطبيعتها للتقويم المالي المباشر، فينشأ عنه ألم أو حزن أو غم في النفس من غير أن يكون وقوع نقص في الذمة المالية شرطاً لقيامه. ولا يمنع هذا الاختلاف من أن ينتج الفعل الواحد ضرراً مادياً وأدبياً في الوقت نفسه، كما في الإصابة الجسدية التي تستوجب نفقات علاج وتؤدي إلى العجز عن العمل، وهو جانب مادي من الضرر، بينما تسبب للمصاب ألماً أو تشوهاً جسدياً يمثل الجانب الأدبي منه. ويجد التعويض عن الضرر الأدبي في النظام القانوني العراقي أساسه التشريعي في القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 النافذ، وبصفة خاصة في المادة (205) منه، التي أوردها المشرع ضمن الفصل الثاني المتعلق بالفعل الضار من الباب الأول. ويستند إقرار هذا التعويض كذلك إلى القواعد الشرعية العامة، وفي مقدمتها القاعدة الفقهية النبوية «لا ضرر ولا ضرار»، بما تحمله من معنى حظر إلحاق الأذى بالغير ووجوب إزالة الضرر وجبره من غير تخصيص بالضرر المادي وحده؛ إذ إن قصر التعويض عليه يمثل تخصيصاً بغير مخصص لا ينسجم مع مقتضيات المصلحة والعدالة. كما تتكامل المادة (205) مع المادتين (202) و(204) من القانون المدني، اللتين ترتبان المسؤولية عن كل فعل ضار بالنفس أو عن أي تعدٍ يصيب الغير بأي ضرر آخر، بما يشكل أساساً قانونياً موضوعياً لحماية الإنسان وحقوقه وحرياته من صور الاعتداء غير المشروع. وقد بينت الفقرة الأولى من المادة (205) من القانون المدني العراقي أهم صور الضرر الأدبي على سبيل المثال لا الحصر، فنصت على أن التعويض يتناول الضرر الأدبي كذلك، وأن كل تعدٍ على الغير في حريته أو عرضه أو شرفه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي أو اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولاً عن التعويض. وعلى هذا الأساس يدخل في نطاق الضرر الأدبي الاعتداء على الحرية، كما في الحجز غير القانوني أو تقييد حرية التنقل وما يصاحب ذلك من شعور بالقهر والمهانة النفسية. ويشمل أيضاً الاعتداء على الشرف والعرض والسمعة والمركز الاجتماعي عن طريق القذف أو السب أو التشهير أو نشر الأخبار الكاذبة بواسطة وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية، متى كان من شأن ذلك النيل من قدر الإنسان ومكانته بين أقرانه وفي مجتمعه. كما يمتد إلى المساس بالاعتبار المالي، من خلال هدم ائتمان الشخص أو الإضرار بسمعته التجارية أو الوظيفية بما يسبب له اضطراباً وقلقاً نفسياً جسيماً حتى في الحالات التي لا تثبت فيها خسارة مادية مباشرة. ولا تقف صور الضرر الأدبي عند هذه الحدود، بل تشمل الآلام الجسدية والنفسية الناجمة عن الإصابات والجروح وما قد تخلفه من تشويه حسي أو عاهات مستديمة، فضلاً عن الآلام والنكبات النفسية الناتجة عن فجيعة الإنسان بفقد أحد أفراد أسرته أو الأشخاص المقربين إليه. ولا يكفي مجرد الادعاء بوقوع ضرر أدبي لاستحقاق التعويض عنه أمام القضاء المدني، بل يتطلب ذلك توافر الشروط القانونية العامة التي تقوم عليها المسؤولية التقصيرية إلى جانب ما تفرضه طبيعة هذا الضرر من شروط خاصة. فلا بد من وجود فعل ضار أو خطأ غير مشروع صدر عن المدعى عليه وانطوى على اعتداء على حق أو مصلحة للغير، كما يجب أن يكون الضرر الأدبي قد وقع فعلاً وثبت تحققه، سواء كان ضرراً حالاً وقع بالفعل أو ضرراً مستقبلياً حتمي الوقوع، أما الضرر الاحتمالي أو التوهّمي الذي لم يستقر ثبوته فلا يكون محلاً للتعويض. ويشترط كذلك أن ينصب الاعتداء على حق مشروع أو مصلحة مشروعة يحميها القانون ولا تتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة، فضلاً عن ضرورة قيام رابطة سببية مباشرة بين الفعل الضار التقصيري وبين الضرر الأدبي الذي أصاب المضرور، بحيث يكون ذلك الفعل هو السبب المباشر والمعين في إحداث الألم أو المساس بالاعتبار النفسي والاجتماعي. وتعد مسألة إثبات الضرر الأدبي من أكثر المسائل دقة في التطبيق القضائي العراقي، بالنظر إلى طبيعته المعنوية والنفسية التي لا يمكن إخضاعها لوسائل الإثبات ذاتها التي تستعمل عادة في إثبات الضرر المادي القابل للتوثيق بالمستندات والحسابات. ولهذا اتسمت قواعد إثباته بالمرونة وفق أحكام قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979، فأصبح من الجائز إثباته بطرق الإثبات المختلفة، ومنها الشهادة والقرائن القضائية والاستعانة بالخبراء القضائيين. ويعتمد القضاء المدني العراقي بصورة رئيسة على القرائن المستمدة من طبيعة الواقعة ومجريات الأمور العادية؛ فمتى ثبت وقوع اعتداء جسيم، كالسب العلني أو التشهير النافذ أو القتل الخطأ أو الإصابة البليغة، أمكن للقاضي الاستدلال من ظروف الواقعة ذاتها على وقوع الضرر الأدبي بوصف ذلك قرينة قضائية منطقية تستند إلى الفطرة الإنسانية. وعندئذ ينصرف جانب مهم من التحقيق والخبرة إلى تقدير مدى الآلام النفسية التي لحقت بالمضرور ومدى تأثر مكانته الاجتماعية. وتؤدي الخبرة الطبية والنفسية، بدورها، وظيفة مهمة في تقدير مستوى المعاناة النفسية والاضطرابات العاطفية التي قد تنشأ عن التشويه الجسدي أو فقد المعيل أو الانتهاك الصارخ للخصوصية والكرامة. وتتمتع محكمة الموضوع بسلطة تقديرية واسعة ومستقلة في تقدير التعويض الأدبي المستحق والحكم به، ولها في سبيل ذلك الاستعانة بالخبراء القضائيين، من غير أن يخضع تقديرها لرقابة محكمة التمييز متى كان قائماً على أسباب سائغة ومستمدة من أدلة الدعوى. وقد وضع التشريع المدني العراقي ضوابط معيارية يسترشد بها القاضي والخبراء في هذا التقدير، ومن بينها ما نصت عليه المادة (991/3) من القانون المدني العراقي من وجوب مراعاة «مراكز الخصوم» عند تقدير التعويض عن الضرر المعنوي. ويدخل في عملية التقدير عدد من العناصر المتصلة بظروف الواقعة وأطرافها، من بينها المكانة الاجتماعية والثقافية والوظيفية لكل من المتعدي والمتضرر، وجسامة الخطأ المرتكب، ومدى توافر سوء النية أو القصد، ودرجة الشهرة أو التشهير، والوسيلة التي استخدمت في النشر ومدى اتساع انتشارها، فضلاً عن مقدار الآلام النفسية والجسدية وطبيعة الظروف التي أحاطت بالفعل الضار. أما من حيث صورة التعويض، فإن المقابل النقدي هو الصورة الغالبة في التطبيق القضائي، ويطلق عليه قضائياً تعويض «جبر الخواطر». ومع ذلك، لا يقتصر التعويض على هذه الصورة وحدها، إذ تجيز المادة (209/2) من القانون المدني الحكم بأداء أمر معين بناءً على طلب المتضرر، ومن ذلك إلزام المدعى عليه بنشر تكذيب أو اعتذار رسمي في الصحف أو وسائل الإعلام على نفقته، أو إلغاء القرار الإداري وإزالة أثر التشهير. وقد يكتفي القضاء في بعض الحالات بالحكم بمبلغ رمزي مع تحميل المدعى عليه المصاريف القضائية، باعتبار أن صدور الحكم البات بالإدانة يمكن أن يمثل بذاته تعويضاً معنوياً كافياً يعيد إلى المتضرر اعتباره وشرفه. والتعويض عن الضرر الأدبي لا يقوم على أساس وضع ثمن مالي للمشاعر الإنسانية أو للشرف والكرامة، لأن النقود بطبيعتها لا تستطيع أن تمحو الحزن أو تعيد عزيزاً متوفى أو تزيل بصورة حقيقية ما تركه الألم في النفس. وإنما تقوم فلسفة هذا التعويض على فكرة «جبر الخواطر» والمواساة النفسية وتقديم ترضية مكافئة للمضرور تمنحه وسائل للتخفيف من حدة ما أصابه، وتؤكد في الوقت ذاته اعتراف المجتمع والقضاء بحقه الذي وقع عليه الاعتداء. ولذلك لا تكون النقود في هذا المجال معادلاً تقويمياً للضرر الأدبي، وإنما وسيلة للترضية والمواساة تجعل المضرور يشعر بأن كرامته قد أعيدت إليه وأن المعتدي قد تحمل الجزاء المدني المترتب على فعله. ويثبت الحق في المطالبة بالتعويض الأدبي، من حيث الأصل، لكل شخص طبيعي لحق به ضرر أدبي مباشر نتيجة الاعتداء على أحد حقوقه أو مصالحه المعنوية، وتكون له الصفة والحق في إقامة دعوى التعويض المباشرة أمام محاكم البداءة. وإذا كان الضرر الأدبي ناشئاً عن فعل ضار أدى إلى إصابة شخص أو وفاته، ثبت للمصاب المباشر نفسه الحق في التعويض عما أصابه من آلام جسدية ونفسية، كما يمكن أن تنشأ للغير دعوى شخصية مستقلة متى توافرت شروطها القانونية. وعند وفاة المصاب المباشر نتيجة الفعل الضار، قد ينشأ إلى جانب الضرر المادي ضرر أدبي مستقل يعرف في الفقه والقضاء بـ«الضرر الأدبي المرتد» أو المنعكس، ويتمثل في الألم والحزن واللوعة التي تصيب أفراد أسرته بسبب فجيعتهم بوفاته وحرمانهم من عاطفته وحنانه. وقد أجازت الفقرة الثانية من المادة (205) من القانون المدني العراقي الحكم بالتعويض للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب. وهذه المطالبة لا تقوم على أساس انتقال حق الميت إلى أقاربه، وإنما تمثل حقاً أصيلاً ومباشراً ينشأ لهم في ذمتهم المالية الخاصة بصفة شخصية استناداً إلى الفجيعة التي لحقت بهم. وقد أثار تحديد المقصود بعبارة «الأقربين من الأسرة» خلافاً فقهياً وقضائياً. فاتجه الاجتهاد القضائي التقليدي لمحكمة التمييز الاتحادية، بالاستناد إلى المادتين (38) و(39) مدني، إلى التوسع في تفسير هذه العبارة بحيث تشمل الأقارب حتى الدرجة الرابعة متى ثبت وجود رابطة أسرية وعاطفية حقيقية وعميقة. إلا أن هذا الاتساع تعرض للتقييد بموجب قرارات تشريعية خاصة، وتحديداً قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 815 لسنة 1982 وتعديله بالقرار رقم 106 لسنة 1985، اللذين حصرا مستحقي التعويض الأدبي عن الوفاة في الزوج والأقارب من الدرجة الأولى، وهم الوالدان والأولاد الذين أصيبوا بآلام حقيقية وعميقة. ويرى جانب كبير من الفقه والقضاء أن هذا التعديل أصبح قاعدة عامة تستهدف منع إثقال كاهل المسؤول وحماية الذمة المالية من كثرة المترددين، في حين يذهب اتجاه آخر إلى قصر هذا التقييد على حوادث السيارات الخاضعة لقانون التأمين الإلزامي رقم 52 لسنة 1980، مع بقاء حكم المادة (205/2) من القانون المدني عاماً بالنسبة إلى سائر الأفعال الضارة. وتختلف مسألة الضرر الأدبي المرتد عن مسألة انتقال الحق في التعويض عن الضرر الأدبي المباشر الذي أصاب الشخص قبل وفاته، كالألم الجسدي أو النفسي الذي عاناه قبل الموت. فقد أخضع المشرع العراقي انتقال هذا الحق لقواعد صارمة ومقيدة، ونص في الفقرة الثالثة من المادة (205) من القانون المدني صراحة على أنه «ولا ينتقل التعويض عن الضرر الأدبي إلى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم نهائي». ويرجع أساس هذا التقييد إلى أن حق المطالبة بالتعويض عن الألم النفسي والكرامة يعد حقاً شخصياً محضاً ولصيقاً بالمضرور نفسه، فإذا توفي قبل أن يطالب به أو قبل أن تتحدد قيمته، انقضى الحق بوفاته ولم يدخل ضمن عناصر تركته المالية التي تنتقل إلى ورثته. ومع ذلك، ينتقل هذا الحق إلى الورثة في حالات استثنائية محددة. فتتحقق الحالة الأولى إذا قام اتفاق صريح بين المضرور والمسؤول قبل الوفاة على تحديد مبلغ التعويض، إذ يتحول عندئذ إلى دين مالي في الذمة يؤول إلى التركة. وتتحقق الحالة الثانية عند صدور حكم قضائي نهائي حائز لدرجة البتات يقرر مقدار التعويض قبل وفاة المضرور. أما الحالة الثالثة فتتمثل في إقامة المضرور دعوى التعويض أمام القضاء قبل وفاته، إذ استقر الفقه والقضاء العراقي على أن قيام المضرور بتحريك الدعوى بنفسه يمثل تعبيراً جازماً وقاطعاً عن إرادته في اقتضاء الحق وإدخاله ضمن ذمته المالية، بما يسمح لورثته، باعتبارهم خلفاً عاماً، بالحلول محله ومتابعة الدعوى باعتبارها حقاً مالياً موروثاً. وعند المقارنة بالتقنينات المجاورة يظهر أن المشرع العراقي كان أكثر تشدداً من المشرع المصري، الذي أجاز انتقال الحق بمجرد المطالبة القضائية بموجب المادة (222/1) من القانون المدني المصري من غير اشتراط صدور حكم نهائي. أما بالنسبة إلى الشخص المعنوي، فقد حسم القضاء العراقي التمييزي والاتحادي النزاع الذي دار حول مدى حق الشركات والمؤسسات والدوائر الحكومية والجمعيات في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي بموجب المادة (205/1) مدني. فقد استقرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية، كما في قرارها التاريخي رقم 2/هيئة عامة/2019 الصادر بتاريخ 2019/3/26 وقرارها رقم 1650/2012 الصادر بتاريخ 2010/12/21، على أن التعويض عن الضرر الأدبي حق حصري ومطلق للأشخاص الطبيعيين فقط، وأن الأشخاص المعنوية لا يجوز لها قانوناً المطالبة به، وترد دعاواها في هذا الشأن شكلاً وموضوعاً لافتقارها إلى السبب القانوني. وقد استندت محكمة التمييز الاتحادية والمحكمة الاتحادية العليا في هذا الاتجاه إلى الجمع بين حكمي المادة (48/2) والمادة (205/1) من القانون المدني العراقي. فالمادة (48/2) تقرر أن الشخص المعنوي يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الشخص الطبيعي، في حين تتصل المادة (205/1) بالحرية والعرض والشرف والسمعة والمركز الاجتماعي والألم النفسي، وهي صفات ومشاعر تعد، بحسب هذا الاتجاه، من الأحاسيس النفسية البشرية التي لا يتصور قيامها أو الإحساس بها إلا لدى الإنسان الطبيعي الحي. فالشخص المعنوي ذو طبيعة اعتبارية افتراضية ويتمتع بذمة مالية مستقلة، لكنه يفتقر إلى الجسد والروح والعاطفة والوجدان، ومن ثم لا يتأثر معنوياً أو أدبياً بالتشهير على النحو الذي يتأثر به الشخص الطبيعي. ولا يعني هذا الاتجاه حرمان الشخص المعنوي من الحماية القانونية إذا أصابه ضرر نتيجة التشهير أو الإساءة إلى سمعته التجارية، إذ يظل له الحق في إقامة الدعوى والمطالبة بالتعويض المادي عما لحقه من خسارة وما فاته من كسب طبقاً للمادة (207/1) مدني، متى أثبت أن التشهير أدى إلى تراجع أرباحه أو فسخ عقوده أو الإضرار بنشاطه الاقتصادي والمالي، فضلاً عن حقه في تحريك الشكوى الجزائية ضد المتعدي. وقد يرفض القضاء المدني العراقي طلب التعويض عن الضرر الأدبي في عدد من الحالات التي ترتبط بصفة المدعي أو بطبيعة الضرر أو بعدم اكتمال أركان المسؤولية. ومن ذلك أن تقام الدعوى من شخص معنوي، كشركة أو دائرة حكومية، استناداً إلى قرار الهيئة العامة التمييزية رقم 2/2019 ورقم 1650/2012، أو أن تكون المطالبة متعلقة بالتعويض الأدبي عن وفاة مورث لم يسبق له إقامة الدعوى قبل وفاته ولم يكن التعويض قد تحدد باتفاق أو حكم نهائي، عملاً بالمادة (205/3) مدني. كما ترد الدعوى عند التخلف عن إثبات أركان المسؤولية التقصيرية، وبصفة خاصة إذا انتفى الخطأ من جانب المدعى عليه، أو ثبت أن الضرر نشأ عن قوة قاهرة أو حادث فجائي، أو كان راجعاً إلى خطأ المضرور نفسه متى استغرق خطؤه خطأ الفاعل. ويُرفض طلب التعويض كذلك إذا كان الضرر المدعى به وهمياً أو احتمالياً لم يقع فعلاً، ولم يثبت معه المساس بكرامة المدعي أو شعوره أو مصلحة مشروعة له، أو إذا كانت المصلحة التي يدعي وقوع الاعتداء عليها غير مشروعة أو مخالفة للنظام العام والآداب العامة. وينطبق الأمر ذاته إذا أقيمت الدعوى للمطالبة بالتعويض الأدبي في نطاق الالتزامات المالية أو المسائل العقدية الصرفة التي يمنع القضاء العراقي شمولها بحكم المادة (205). ويبرز نطاق تطبيق التعويض عن الضرر الأدبي باعتباره أحد المواضع التي تظهر فيها بوضوح التفرقة بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية في الفقه والقضاء العراقي. فقد استقر الاجتهاد القضائي العراقي، استناداً إلى موقع المادة (205) ضمن الفصل الثاني المتعلق بالفعل الضار، على حصر التعويض عن الضرر الأدبي في نطاق المسؤولية التقصيرية دون المسؤولية العقدية. وفي المجال العقدي يقتصر التعويض، وفق القواعد العامة، على الضرر المادي المباشر المتوقع وقت التعاقد، أو الضرر غير المتوقع في حالتي الغش والخطأ الجسيم، في حين تنحصر الالتزامات المالية التأخيرية في الفائدة القانونية المحددة في المادة (171) مدني، من دون إجازة التعويض المعنوي. وقد أيدت القرارات التمييزية الاتحادية هذا الاتجاه التقييدي، مؤكدة عدم جواز المطالبة بالتعويض الأدبي عن الإخلال بالتصرفات العقدية والالتزامات المادية الصرفة. ومع ذلك، تعرض هذا الموقف القضائي لانتقادات واسعة وعميقة من جانب الفقه القانوني الأكاديمي الوطني والمقارن، على أساس أن الإخلال بالالتزام العقدي قد يترتب عليه ضرر معنوي بالغ لا يقل جسامة عن الضرر الناشئ عن الفعل الضار. ومن أمثلة ذلك خطأ الطبيب المتفق معه على إجراء جراحة تجميلية إذا ترتب عليه تشويه معنوي، أو خطأ الناقل الجوي أو البحري في إيصال المسافر بما يفوّت عليه حضور مراسم جنازة أو مناسبة عائلية مصيرية، أو إخلال الناشر بطباعة كتاب وتشويهه. وقد ظهرت تطبيقات للضرر المفترض في المسؤولية العقدية في حالات معينة، منها ما ورد في قانون النقل رقم 80 لسنة 1983 في المادة (9/1) والمادة (11)، حيث يسأل الناقل عن التأخير في نقل الركاب وعن تعويض الأضرار المادية والمعنوية، كما جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 1416/استئنافية منقول/2019، فضلاً عن حالات الشرط الجزائي والعربون وتعهد نقل الملكية العقارية. وانطلاقاً من ذلك، تدعو الدراسات القانونية المحكمة إلى إجراء تعديل تشريعي ينقل قاعدة التعويض عن الضرر الأدبي من فصل الفعل الضار إلى باب آثار الالتزام في القانون المدني، بما يسمح بإعمالها بصورة شاملة في نطاق المسؤوليتين العقدية والتقصيرية على حد سواء. ويتضح من مجموع ما تقدم أن التنظيم التشريعي والقضائي العراقي للتعويض عن الضرر الأدبي في إطار القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 يقوم على منظومة قانونية تستهدف صيانة الكرامة الإنسانية وحماية الحقوق الملازمة للشخصية، وإن كانت هذه المنظومة لا تخلو من قيود تشريعية واتجاهات قضائية متشددة في عدد من المسائل. وقد عكس التطبيق القضائي اتجاهاً يرمي إلى تحقيق قدر من التوازن من خلال قصر التعويض الأدبي على الأشخاص الطبيعيين استناداً إلى طبيعة الشعور والألم النفسي، مع الإبقاء على حق الأشخاص المعنوية في المطالبة بالتعويض المادي، فضلاً عن تقييد انتقال الحق إلى الورثة محافظةً على طبيعته الشخصية. ومع استمرار الإشكالات العملية التي يثيرها هذا النوع من التعويض أمام المحامين والقضاة، تظل الحاجة قائمة إلى تدخل تشريعي يعيد النظر في نطاق المادة (205) من خلال نقلها إلى باب آثار الالتزام بما يسمح بامتداد التعويض عن الضرر الأدبي إلى المسؤولية العقدية، إلى جانب تحديث المعايير الاسترشادية المعتمدة لدى الخبراء القضائيين في إطار قانون الإثبات العراقي، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في تقدير تعويض جبر الخواطر والوصول إلى العدالة الناجزة.
العودة إلى المقالات