العودة إلى المقالات
الآثار القانونية لفتح الاعتماد المستندي في عقود البيع الدولي للبضائع

الآثار القانونية لفتح الاعتماد المستندي في عقود البيع الدولي للبضائع

مقال قانوني

ت شكّل التجارة الدولية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد المعاصر، وقد أدى اتساع نطاق المبادلات التجارية وتباعد أماكن أعمال المتعاملين واختلاف الأنظمة القانونية والمصرفية التي تحكم علاقاتهم إلى ظهور حاجة متزايدة إلى وسائل تضمن قدرًا أكبر من الأمان والثقة في تنفيذ الالتزامات المتقابلة، ولا سيما في عقود البيع الدولي للبضائع التي يجد فيها البائع نفسه أمام مخاطرة تسليم البضاعة أو شحنها قبل الحصول على الثمن، في حين يتردد المشتري في أداء المقابل قبل التأكد من قيام البائع بتنفيذ ما التزم به. وفي خضم هذا التعارض المشروع بين مصلحتي الطرفين، برز الاعتماد المستندي بوصفه إحدى أهم الوسائل المصرفية التي أسهمت في تحقيق قدر من التوازن بينهما، إذ يقوم على تدخل مصرف يتعهد، وفق شروط محددة، بالوفاء للمستفيد متى قدم المستندات المطلوبة على نحو يشكّل تقديمًا مطابقًا لشروط الاعتماد، وبذلك لا يبقى الوفاء بالثمن معلقًا بصورة مباشرة على إرادة المشتري وحده، كما لا يكون المشتري ملزمًا، في المقابل، بدفع الثمن من غير وجود مستندات تدل في ظاهرها على تنفيذ الإجراءات التي اشترطها في الاعتماد. وقد نشأ الاعتماد المستندي في الأصل في إطار الممارسة المصرفية والتجارية الدولية، وتطور تدريجيًا استجابة لمتطلبات التجارة الخارجية وما تفرضه من مخاطر تتصل بالمسافة واختلاف العملات والقوانين ووسائل النقل والظروف السياسية والاقتصادية. ومع توسع استخدامه، تكوّنت مجموعة من الأعراف والممارسات المصرفية التي سعت غرفة التجارة الدولية إلى تدوينها وتوحيدها، فأصدرت عام 1933 أول مجموعة من القواعد الموحدة للاعتمادات المستندية، ثم تعاقبت مراجعاتها في أعوام 1951 و1962 و1974 و1983 و1993، وصولًا إلى المراجعة المعمول بها حاليًا، المعروفة باسم القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية UCP 600، التي دخلت حيز التطبيق في الأول من يوليو/تموز 2007. ووفقًا للمادة الأولى من UCP 600، تسري هذه القواعد على الاعتماد متى نص صراحة على خضوعه لها، فتغدو ملزمة لأطرافه ما لم يعدلها الاعتماد أو يستبعد بعض أحكامها. ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذا الحكم على أنه يمنع القانون الوطني الواجب التطبيق من الإحالة إلى هذه القواعد بوصفها قواعد مكملة؛ فبعض التشريعات، كقانون التجارة المصري، يحيل إليها في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص. ويُفهم الاعتماد المستندي، وفقًا للمادة الثانية من قواعد UCP 600، باعتباره ترتيبًا غير قابل للإلغاء، مهما كانت تسميته أو وصفه، يتضمن تعهدًا محددًا من المصرف المصدر بالوفاء عند تقديم مستندات تشكل تقديمًا مطابقًا. ويأخذ الوفاء صورًا متعددة بحسب طبيعة الاعتماد وشروطه، فقد يكون في صورة دفع عند الاطلاع، أو التزام بالدفع المؤجل يتم أداؤه عند الاستحقاق، أو قبول كمبيالة مسحوبة من المستفيد وأدائها عند حلول أجلها، كما يمكن أن يكون الاعتماد متاحًا بطريق التداول وفق الشروط التي تحددها القواعد. وقد أخذت تشريعات وطنية عديدة بتنظيم الاعتماد المستندي صراحة، ومن بينها التشريع العراقي؛ إذ نص قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 في المادة 273 على تعريف الاعتماد المستندي وقرر، في فقرتها الثانية، استقلال عقد الاعتماد عن العقد الذي فتح بسببه، بينما أوجبت المادة 274 على المصرف تنفيذ شروط الوفاء والقبول والخصم المتفق عليها متى كانت المستندات مطابقة لما ورد في عقد الاعتماد من بيانات وشروط. واتخذ المشرع المصري اتجاهًا مقاربًا في قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999، إذ نظم الاعتماد المستندي ضمن عمليات البنوك، وقرر في المادة 341 استقلال عقد الاعتماد عن العقد الذي كان سببًا في فتحه، كما أحال، فيما لم يرد بشأنه نص خاص، إلى القواعد الواردة بالأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية الصادرة عن غرفة التجارة الدولية. غير أن فهم الطبيعة القانونية للاعتماد المستندي يقتضي التمييز بين مجموعة من العلاقات التي ترتبط اقتصاديًا بعملية واحدة، لكنها لا تندمج قانونيًا في علاقة واحدة. فهناك أولًا عقد البيع الدولي الذي يربط البائع بالمشتري ويتضمن التزامات كل منهما، ومن بينها التزام المشتري بأداء الثمن بالطريقة المتفق عليها. وهناك ثانيًا العلاقة بين المشتري، بصفته الآمر بفتح الاعتماد، والمصرف المصدر، وهي علاقة عقدية مصرفية يطلب بموجبها العميل إصدار اعتماد لصالح البائع المستفيد، ويلتزم تجاه المصرف بتوفير الغطاء أو الضمانات المتفق عليها وسداد العمولات والمصاريف وما يرتبط بعملية التمويل من التزامات. وتنشأ، إلى جانب ذلك، علاقة مستقلة بين المصرف المصدر والمستفيد، مصدرها التعهد الذي يتضمنه الاعتماد ذاته، فلا يكون المصرف مجرد وكيل عن المشتري أو كفيل تابع لالتزامه، وإنما يصبح ملتزمًا مباشرة تجاه المستفيد متى تحققت شروط الاعتماد وقدمت المستندات المطلوبة على نحو مطابق. وقد تنشأ كذلك علاقة إضافية إذا دخل مصرف آخر في العملية بصفته مصرفًا معززًا، إذ يضيف تعهدًا مستقلًا إلى تعهد المصرف المصدر، فتتعزز بذلك الحماية الائتمانية للمستفيد. ومن هنا يظهر أن وصف عقد فتح الاعتماد بأنه علاقة عقدية متبادلة الالتزامات لا ينبغي إطلاقه على جميع العلاقات التي تنشأ عن العملية، وإنما يكون أكثر دقة إذا انصرف إلى عقد فتح الاعتماد الذي يربط الآمر بالمصرف المصدر وفقًا للقانون الوطني الواجب التطبيق، في حين يمثل التعهد الصادر من المصرف تجاه المستفيد التزامًا مصرفيًا مستقلًا مصدره الاعتماد ذاته. وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة عند تحديد الآثار القانونية لكل علاقة والدفوع التي يجوز الاحتجاج بها بين أطرافها. ويتميز الاعتماد الخاضع لقواعد UCP 600 بأنه غير قابل للإلغاء، إذ تقرر المادة الثالثة من هذه القواعد أن الاعتماد يكون غير قابل للإلغاء حتى ولو لم يتضمن نصه إشارة صريحة إلى ذلك. ويترتب على هذه الصفة أن المصرف المصدر يصبح مرتبطًا بتعهده منذ إصدار الاعتماد، ولا يجوز، من حيث الأصل، إلغاؤه أو تعديله على نحو يمس حقوق المستفيد إلا وفق الشروط المقررة في المادة العاشرة من UCP 600، التي تستلزم موافقة المصرف المصدر والمصرف المعزز، إن وجد، والمستفيد، مع مراعاة الأحكام الخاصة التي تقررها القواعد. غير أن هذه النتيجة تخص الاعتماد الخاضع لـ UCP 600، ولا ينبغي تعميمها دون نظر إلى القانون الوطني الواجب التطبيق؛ فالقانون العراقي، مثلًا، ما يزال يجيز في المادة 275 من قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 الاعتماد البات والاعتماد القابل للإلغاء، ويجعل الأصل في النص الوطني قابلية الاعتماد للإلغاء ما لم يتفق صراحة على خلاف ذلك، في حين يجعل القانون المصري، في المادة 343 من قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999، الأصل عدم قابلية الاعتماد للإلغاء ما لم يتفق صراحة على قابليته للإلغاء. ومع ذلك، فإن إخضاع الاعتماد صراحة لقواعد UCP 600 يمثل، من حيث الأصل، اتفاقًا على تطبيق النظام الذي تقرره هذه القواعد، ومنه عدم قابلية الاعتماد للإلغاء، ما لم توجد قاعدة آمرة في القانون الوطني الواجب التطبيق تحول دون إعمال هذا الاتفاق. وتتنوع الاعتمادات المستندية بحسب الوظيفة التجارية والائتمانية التي يراد تحقيقها. فقد يكون الاعتماد غير معزز، فيقتصر التعهد الأساسي بالوفاء على المصرف المصدر، بينما يؤدي مصرف آخر دور التبليغ أو غيره من الوظائف المصرفية دون أن يضيف، بمجرد تبليغه للاعتماد، التزامًا مستقلًا بالوفاء. وقد يكون الاعتماد معززًا، فيضيف مصرف آخر تعهده الخاص إلى تعهد المصرف المصدر، بما يوفر للمستفيد حماية إضافية، ولا سيما عندما توجد مخاطر تتعلق بالمصرف المصدر أو بالبيئة السياسية أو الاقتصادية في الدولة التي يقع فيها. وقد يكون الاعتماد قابلًا للتحويل إذا نص صراحة على ذلك، فيجوز عندئذ للمستفيد الأول، وفق الشروط والقيود المنصوص عليها في المادة 38 من UCP 600، أن يطلب إتاحة الاعتماد لمستفيد ثان، كما يجوز تحويله جزئيًا إلى أكثر من مستفيد ثانٍ متى كان الاعتماد يسمح بالسحوبات أو الشحنات الجزئية، وذلك في حدود ما يوافق المصرف المحول على إجرائه وبالطريقة التي يوافق عليها. وهي صورة تكثر في العمليات التي يكون فيها المستفيد الأول وسيطًا تجاريًا. كما تعرف الممارسة المصرفية ترتيبات أخرى، من بينها الاعتماد المتقابل الذي يستخدم فيه اعتماد قائم أساسًا لفتح اعتماد آخر لصالح مورد مختلف، مع بقاء كل اعتماد مستقلًا عن الآخر قانونًا رغم ارتباطهما اقتصاديًا، إلى جانب الاعتماد الدوار الذي يستخدم في عمليات التوريد المتكرر ويعاد فيه تجديد القيمة أو الكمية المتاحة وفق الشروط المحددة في الاعتماد. وتقوم فعالية الاعتماد المستندي، في جوهرها، على مبدأ قانوني بالغ الأهمية هو مبدأ استقلال الاعتماد عن عقد البيع الأساسي. فمع أن الاعتماد ينشأ اقتصاديًا بسبب وجود عقد بيع بين البائع والمشتري، فإن العلاقة المصرفية التي تتولد عنه لا تندمج في هذا العقد ولا تتوقف في تنفيذها على سلامة جميع الالتزامات الناشئة عنه. وقد كرست المادة الرابعة من UCP 600 هذا المبدأ حين قررت أن الاعتماد، بطبيعته، معاملة مستقلة عن عقد البيع أو أي عقد آخر قد يستند إليه، وأن المصارف لا تكون معنية بهذه العقود أو ملتزمة بأحكامها حتى إذا أشار الاعتماد إليها. ويؤدي هذا الاستقلال إلى عدم جواز تمسك المصرف، كأصل عام، في مواجهة المستفيد بالدفوع التي تنشأ من علاقة المشتري بالبائع، كما يحول دون تعليق الوفاء لمجرد نشوء نزاع حول تنفيذ العقد الأساسي. فإذا ادعى المشتري مثلًا أن البضاعة معيبة أو أنها لا تطابق المواصفات المتفق عليها أو أن البائع أخل ببعض التزاماته العقدية، فإن مجرد قيام هذا النزاع لا يخول المصرف الامتناع عن الوفاء متى قدم المستفيد مستندات تشكل تقديمًا مطابقًا لشروط الاعتماد. ويرجع ذلك إلى أن المصرف لا يتولى فحص البضاعة ذاتها ولا يحقق في جودتها أو صلاحيتها أو قيمتها التجارية، بل يقتصر دوره على فحص المستندات المقدمة إليه. ويبقى للمشتري أن يرجع على البائع بالوسائل القانونية التي يتيحها عقد البيع والقانون الواجب التطبيق، سواء بطلب التنفيذ أو التعويض أو الفسخ عند توافر شروطه، إلا أن هذا المسار العقدي يظل، من حيث الأصل، مستقلًا عن المسار المصرفي الذي يحكم تنفيذ الاعتماد. ويمتد مبدأ الاستقلال كذلك إلى العلاقة التي تربط المصرف المصدر بالآمر؛ فلا يجوز للمصرف، بعد نشوء تعهده تجاه المستفيد، أن يحتج في مواجهته بإخلال الآمر بالتزاماته الداخلية، كعدم استكمال الغطاء أو عدم سداد بعض العمولات أو تعرضه للإعسار، متى كانت شروط استحقاق المستفيد قد تحققت. فالمصرف لا يفي للمستفيد بوصفه تابعًا للمشتري أو كفيلًا عنه بالمعنى التقليدي، وإنما ينفذ التزامًا مصرفيًا مستقلًا مصدره الاعتماد ذاته. وقد حظي هذا المبدأ بتأييد واسع في القضاء التجاري المقارن. ففي القضاء المصري، أكدت محكمة النقض في الطعن رقم 1225 لسنة 54 قضائية، الصادر بجلسة 9 يوليو/تموز 1990، الطبيعة المستقلة للاعتماد المستندي وارتباط عمل المصرف بالمستندات المقدمة إليه لا بالمنازعات المتعلقة بالعلاقة الأصلية بين البائع والمشتري. ويتفق هذا الاتجاه مع النصوص التشريعية المصرية والعراقية التي تقرر استقلال الاعتماد عن العقد الذي فتح بسببه، كما ينسجم مع الاتجاه العام الذي استقرت عليه قواعد التجارة المصرفية الدولية. ويرتبط بمبدأ الاستقلال ارتباطًا وثيقًا مبدأ آخر يتمثل في أن المصارف تتعامل بالمستندات لا بالبضائع أو الخدمات أو الأداء الذي تمثله تلك المستندات، وهو ما نصت عليه المادة الخامسة من UCP 600. فالمصرف عندما يتلقى الفاتورة التجارية أو وثيقة النقل أو شهادة المنشأ أو وثيقة التأمين لا يبحث، من حيث الأصل، في حقيقة الوقائع المادية التي تمثلها هذه الوثائق، وإنما يفحصها في حدود ما يظهر منها وعلى أساس شروط الاعتماد والقواعد المصرفية المطبقة. ومن ثم، فإن المستندات تمثل محور عملية الوفاء المصرفي، ويترتب على مدى مطابقتها تحديد ما إذا كان المصرف ملزمًا بالوفاء أم يملك رفض التقديم. ولا تعني المطابقة في النظام المعاصر ضرورة وجود تطابق حرفي مطلق بين جميع البيانات الواردة في المستندات وبين نص الاعتماد. فقد قررت المادة 14/د من UCP 600 أن البيانات الواردة في المستند، عند قراءتها في سياق الاعتماد والمستند ذاته والممارسة المصرفية الدولية المعيارية، لا يلزم أن تكون متطابقة حرفيًا، وإنما يجب ألا تتعارض مع البيانات الواردة في ذلك المستند أو في أي مستند آخر مطلوب أو مع شروط الاعتماد. ولذلك لا ينبغي فهم مبدأ المطابقة الصارمة على أنه يفرض «تطابقًا مرآتيًا» في كل لفظ أو تفصيل شكلي؛ فالمعيار الحالي يقتضي مطابقة شروط الاعتماد والقواعد المطبقة مع عدم وجود تعارض في البيانات، مع بقاء مبدأ المطابقة المستندية أساسًا لازمًا لاستحقاق الوفاء. ولتعزيز الاتساق في فحص المستندات، أصدرت غرفة التجارة الدولية الممارسة المصرفية الدولية المعيارية لفحص المستندات بموجب الاعتمادات المستندية، المعروفة اختصارًا بـ ISBP، وقد صدرت نسختها السابقة تحت رقم 745 سنة 2013، ثم أصدرت الغرفة النسخة المحدثة ISBP 821 سنة 2023. ولا تعد هذه الممارسة بديلًا عن UCP 600، وإنما تكملها وتوضح كيفية تطبيق أحكامها في المسائل التفصيلية المتعلقة بالتوقيعات والتواريخ والتصحيحات والفواتير ووثائق النقل المختلفة ووثائق التأمين وشهادات المنشأ وغيرها. ومن ثم، فإن فحص المستندات في التطبيق المصرفي الحديث يقوم على قراءة شروط الاعتماد وقواعد UCP 600 والممارسة المصرفية الدولية المعيارية بوصفها منظومة متكاملة، دون جمود حرفي من جهة ودون مرونة غير منضبطة من جهة أخرى. وتتجاوز آثار الاتفاق على فتح الاعتماد العلاقة المصرفية لتنعكس مباشرة على التزامات طرفي عقد البيع الدولي. فإذا اتفق البائع والمشتري على أن يتم الوفاء بالثمن عن طريق اعتماد مستندي، فإن التزام المشتري باتخاذ الإجراءات اللازمة لفتحه في الموعد وبالشروط المتفق عليها يصبح جزءًا من آلية تنفيذ التزامه بأداء الثمن. وتبرز أهمية هذا الالتزام بصورة خاصة عندما يجعل البائع بدء تصنيع البضاعة أو تجهيزها أو شحنها معلقًا على تلقي اعتماد مطابق لما اتفق عليه، إذ يكون الاعتماد في هذه الحالة عنصرًا أساسيًا في التوازن الاقتصادي للعقد وليس مجرد إجراء ثانوي يمكن تأجيله أو تعديله دون أثر. ومتى كانت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع لعام 1980 واجبة التطبيق على العقد، فإن المادة 53 منها تلزم المشتري بأداء الثمن وتسلم البضاعة على النحو الذي يقتضيه العقد والاتفاقية، بينما تقرر المادة 54 أن التزام المشتري بأداء الثمن يشمل اتخاذ التدابير والالتزام بالإجراءات التي يتطلبها العقد أو القوانين واللوائح لتمكين أداء الثمن من أن يتم. وقد استقر في تطبيق الاتفاقية أن هذه التدابير قد تشمل اتخاذ إجراءات فتح اعتماد مستندي أو استصداره من المصرف عندما يكون العقد قد اشترطه، وبذلك يصبح على المشتري اتخاذ ما يلزم لفتح الاعتماد في الوقت المحدد وبالقيمة والعملة والمدة والشروط التي اتفق عليها الطرفان، وألا يطلب تضمينه شروطًا جوهرية لم تكن محل اتفاق وتجعل حصول البائع على الثمن أكثر صعوبة مما يقتضيه العقد. وإذا امتنع المشتري عن فتح الاعتماد أو تأخر في فتحه على نحو مؤثر أو أصدر اعتمادًا يتضمن شروطًا جوهرية مخالفة للاتفاق، فإن ذلك قد يشكل إخلالًا بعقد البيع. غير أن جسامة الإخلال لا تقاس بصورة آلية، فلا يعد كل تأخير بسيط أو اختلاف شكلي إخلالًا جوهريًا، وإنما يتعين النظر إلى أهمية الالتزام ومدى أثر المخالفة في مصالح البائع وفي ما كان يحق له توقعه من العقد. وقد يرتقي الإخلال، بحسب ظروف الحالة، إلى مستوى الإخلال الجوهري وفق المادة 25 من اتفاقية فيينا إذا أدى إلى حرمان البائع بصورة أساسية مما كان يحق له توقع الحصول عليه بموجب العقد مع توافر بقية الشروط التي تتطلبها المادة. كما قد يكون للبائع، في بعض الحالات، أن يعلق تنفيذ التزاماته استنادًا إلى المادة 71 من الاتفاقية إذا أصبح ظاهرًا بعد إبرام العقد، وقبل حلول ميعاد تنفيذ الالتزام محل التخوف، أن المشتري لن ينفذ جزءًا جوهريًا من التزاماته بسبب نقص خطير في قدرته على التنفيذ أو ملاءته الائتمانية أو بسبب سلوكه في الإعداد لتنفيذ العقد أو في تنفيذه. وقد يبرر ذلك، وفق ظروف الصفقة، تعليق تجهيز البضاعة أو شحنها إذا تبين على نحو جدي، قبل حلول ميعاد فتح الاعتماد، أن المشتري لن يقوم بفتحه أو لن يتمكن من توفير وسيلة الوفاء المتفق عليها. أما إذا حل ميعاد فتح الاعتماد وانقضى دون قيام المشتري به، فإن الأمر ينتقل من نطاق الإخلال المتوقع إلى الإخلال الفعلي بالتزام يدخل ضمن الإجراءات اللازمة لأداء الثمن وفق المادة 54، وتطبق عليه وسائل الانتصاف المقررة للبائع في الاتفاقية. وفي جميع الأحوال، لا يعد تعليق التنفيذ فسخًا للعقد، وإنما هو إجراء وقائي مؤقت، كما أن الاتفاقية تلزم الطرف الذي يعلق التنفيذ بإخطار الطرف الآخر فورًا، وباستئناف التنفيذ إذا قدم الأخير ضمانات كافية بشأن قيامه بالتزاماته. وقد يختار البائع بدلًا من ذلك منح المشتري مهلة إضافية معقولة للتنفيذ وفق المادة 63 من اتفاقية فيينا، فيحدد له مدة واضحة لفتح الاعتماد أو لتعديل شروطه بما يطابق العقد. وتكتسب هذه الآلية أهمية عملية لأنها تمنح المشتري فرصة لمعالجة الإخلال وتحافظ على العقد قبل الانتقال إلى وسائل أكثر خطورة، كما تساعد في تحديد مركز الطرفين إذا استمر المشتري في الامتناع عن التنفيذ بعد انتهاء المهلة. أما فسخ العقد، فلا يقع تلقائيًا لمجرد عدم فتح الاعتماد، وإنما يخضع للأحكام التي تقررها المادة 64 من الاتفاقية. فإذا بلغ إخلال المشتري بالتزامه درجة الإخلال الجوهري، جاز للبائع إعلان الفسخ استنادًا إلى المادة 64/1/أ متى توافرت شروط الإخلال الجوهري. كما تقرر المادة 64/1/ب طريقًا خاصًا للفسخ إذا لم يؤد المشتري الثمن أو لم يتسلم البضاعة خلال المهلة الإضافية المحددة وفق المادة 63، أو أعلن أنه لن يقوم بذلك خلالها. وبالنظر إلى أن المادة 54 تعد الإجراءات اللازمة لتمكين أداء الثمن جزءًا من التزام المشتري بالدفع، فقد عالجت تطبيقات للاتفاقية فتح الاعتماد المستندي بوصفه من الإجراءات التي يجوز تحديد مهلة إضافية لإنجازها؛ ومع ذلك، فإن تأسيس الفسخ تحديدًا على المادة 64/1/ب بسبب عدم فتح الاعتماد يظل رهينًا بظروف الواقعة وكيفية تكييف هذا الالتزام، ولذلك يكون الاستناد إلى المادة 64/1/أ أكثر وضوحًا متى بلغ الإخلال حد الجسامة المطلوبة. ويترتب على الفسخ تحرير الطرفين من الالتزامات المستقبلية الناشئة عن العقد في الحدود التي تقررها الاتفاقية، مع بقاء الأحكام المتعلقة بالتعويض وتسوية المنازعات وغيرها من الآثار التي تستمر رغم الفسخ. ويظل للبائع، إلى جانب ذلك، الحق في المطالبة بالتعويض متى توافرت شروطه. فالمادة 74 من الاتفاقية تقرر، كقاعدة عامة، أن التعويض يشمل الخسارة التي لحقت بالطرف المتضرر وما فاته من كسب، بشرط ألا يجاوز الضرر ما كان الطرف المخل يتوقعه أو كان ينبغي له توقعه وقت إبرام العقد في ضوء الوقائع والظروف التي كان يعلم بها أو كان ينبغي أن يعلم بها. وقد تشمل الأضرار الناتجة عن عدم فتح الاعتماد تكاليف التخزين الإضافية أو تكاليف التمويل أو النفقات التي ترتبت على إعادة توجيه البضاعة، متى توافرت الشروط القانونية المتعلقة بالسببية والتوقع وإثبات الضرر. وإذا أدى الإخلال إلى فسخ العقد وأبرم البائع صفقة بديلة على نحو معقول وفي مدة معقولة، فإن فروق الأسعار الناشئة عنها تخضع على وجه الخصوص للمادة 75 من الاتفاقية، مع إمكان المطالبة بأضرار إضافية وفق المادة 74. أما إذا وقع الفسخ ولم تبرم صفقة بديلة، فقد يكون التعويض على أساس الفرق بين السعر المحدد في العقد والسعر الجاري وفق الشروط التي تقررها المادة 76، مع إمكان المطالبة كذلك بأضرار أخرى بموجب المادة 74. وفي جميع الأحوال، يبقى الطرف المتضرر ملتزمًا باتخاذ التدابير المعقولة للحد من خسارته وفق المادة 77، فلا يجوز له ترك الضرر يتفاقم بصورة كان يمكن تفاديها ثم تحميل الطرف الآخر كامل نتائجه. أما من جانب المصارف، فإن تحديد الالتزامات المترتبة على كل مصرف يتطلب التمييز بين المصرف المصدر والمصرف المعزز والمصرف المعيَّن ومصرف التبليغ. فالمصرف المصدر هو الذي يصدر الاعتماد بناء على طلب الآمر أو لحسابه، ويصبح منذ إصداره ملتزمًا بصورة غير قابلة للنقض بالوفاء وفق المادة السابعة من UCP 600 متى كان التقديم مطابقًا. وإذا أضاف مصرف آخر تعزيزه إلى الاعتماد، فإنه يتحمل، وفق المادة الثامنة، تعهدًا مستقلًا إلى جانب تعهد المصرف المصدر. أما المصرف المعيَّن، فإن مجرد تسميته ليكون الاعتماد متاحًا لديه لا تفرض عليه، ما لم يكن مصرفًا معززًا، التزامًا بالوفاء أو التداول إلا إذا وافق صراحة على ذلك وأبلغ المستفيد به وفق القواعد. وكذلك فإن مصرف التبليغ لا يصبح، بمجرد تبليغ الاعتماد، ملتزمًا بالوفاء، وإنما تتمثل وظيفته الأساسية في التحقق من الأصالة الظاهرية للاعتماد أو تعديله والتأكد من أن التبليغ يعكس الشروط التي تلقاها. ويلتزم المصرف المعيَّن الذي يعمل بموجب تعيينه، والمصرف المعزز إن وجد، والمصرف المصدر، كل على حدة، بفحص المستندات المقدمة لتحديد ما إذا كانت تشكل تقديمًا مطابقًا، وقد منحت المادة 14/ب من UCP 600 كلًا منهم مدة لا تتجاوز خمسة أيام عمل مصرفية تلي يوم التقديم لاتخاذ القرار بشأن المطابقة. وإذا وجد المصرف أن التقديم غير مطابق، فإن رفض المستندات لا يكتمل بمجرد اتخاذ قرار داخلي، بل يتعين عليه اتباع الإجراءات المحددة في المادة 16 من القواعد، وفي مقدمتها توجيه إخطار واحد إلى مقدم المستندات يبيّن فيه أنه يرفض الوفاء أو التداول، ويحدد جميع أوجه المخالفة التي يستند إليها، ويوضح كيفية تصرفه في المستندات. ويجب إرسال هذا الإخطار في موعد أقصاه نهاية اليوم المصرفي الخامس الذي يلي يوم التقديم. وإذا أخفق المصرف المصدر أو المصرف المعزز في التقيد بمتطلبات الإخطار، فقد يمنع من التمسك لاحقًا بعدم مطابقة المستندات، وهو جزاء يهدف إلى حماية مقدم المستندات من إبقائه في حالة من عدم اليقين أو إثارة مخالفات جديدة بعد فوات المدة المقررة. ومع أن مبدأ استقلال الاعتماد يمثل إحدى أهم ضمانات استقرار التجارة الدولية، فإن تطبيقه ليس مطلقًا إلى الحد الذي يؤدي إلى حماية السلوك الاحتيالي. فقد استقر الفقه والقضاء في عدد من الأنظمة القانونية على الاعتراف بما يعرف باستثناء الغش، الذي يسمح في ظروف محددة بتعطيل الآثار المعتادة للاستقلال عندما يكون تنفيذ الاعتماد وسيلة للحصول على قيمته بطريق احتيالي. ولا تتضمن UCP 600 نفسها نظامًا موضوعيًا متكاملًا لتنظيم الغش أو تحديد شروط إصدار أمر قضائي بمنع الوفاء، لأن وظيفتها الأساسية تتمثل في تنظيم الممارسة المصرفية المستندية، ولذلك يخضع تحديد أثر الغش وشروط التدخل القضائي للقانون الوطني الواجب التطبيق. وقد تتحقق الصورة النموذجية للغش عندما يقدم المستفيد عن علم مستندات مزورة أو مصطنعة أو تتضمن بيانات احتيالية جوهرية بقصد الحصول على قيمة الاعتماد على الرغم من عدم استحقاقه لها. ومع ذلك، يجب التمييز بوضوح بين الغش الحقيقي وبين مجرد الإخلال بعقد البيع، إذ لا يكفي وجود نزاع بشأن جودة البضاعة أو مقدارها أو مطابقتها للمواصفات لاعتبار الحالة غشًا يبرر تعطيل الاعتماد. ولو جاز وصف كل إخلال تعاقدي بالغش لأصبح مبدأ الاستقلال عديم القيمة، ولتمكن المشتري من وقف الوفاء المصرفي بمجرد إثارة أي نزاع مع البائع. وقد أسهم القضاء الإنجليزي في رسم حدود هذا الاستثناء، ومن أبرز أحكامه قضية United City Merchants (Investments) Ltd v Royal Bank of Canada [1983] 1 AC 168، التي أكدت ضرورة التعامل بحذر مع استثناء الغش وميزت، في ظروفها، بين الغش المنسوب إلى المستفيد وبين التزوير الصادر عن طرف ثالث دون علمه. كما نظم القانون التجاري الموحد في الولايات المتحدة، في المادة 5-109 (UCC § 5-109)، حالات تتعلق بالتزوير والغش الجوهري في خطابات الاعتماد، وأجاز للمحكمة المختصة إصدار أمر مؤقت أو دائم بمنع الوفاء عند توافر الشروط المحددة في النص. ويكشف ذلك عن أن استثناء الغش يمثل وسيلة استثنائية محدودة لمكافحة الاحتيال، لا طريقًا عامًا لإعادة طرح المنازعات المتعلقة بعقد البيع أمام المصرف. وقد تتأثر عملية الاعتماد كذلك بظروف خارجة عن سيطرة المصارف، وهو ما عالجته المادة 36 من UCP 600 في نطاق القوة القاهرة المتعلقة بانقطاع عمل المصرف. فقد تؤدي الحروب أو الاضطرابات أو الأعمال الإرهابية أو الكوارث الطبيعية أو الإضرابات أو غيرها من الأحداث الخارجة عن السيطرة إلى توقف أعمال المصرف على نحو يحول دون تنفيذ العمليات المصرفية المعتادة. وتقرر القواعد عدم مسؤولية المصرف عن النتائج الناشئة عن توقف أعماله بسبب هذه الأحداث، كما تكتسب المسألة أهمية خاصة إذا انتهت صلاحية الاعتماد خلال فترة توقف المصرف، إذ لا يكون ملزمًا، بعد استئناف أعماله، بالوفاء أو التداول بموجب اعتماد انتهت صلاحيته أثناء الانقطاع لمجرد تعذر التقديم خلال تلك الفترة. ولا ينبغي الخلط بين القوة القاهرة في معنى المادة 36 من UCP 600 وبين القوة القاهرة التي قد تؤثر في تنفيذ عقد البيع ذاته، فالأولى تتصل بانقطاع عمل المصرف وآثاره على الاعتماد، أما الثانية فتخضع لأحكام عقد البيع والقانون أو الاتفاقية الدولية الواجبة التطبيق عليه. ولهذا تبرز أهمية إدارة هذه المخاطر منذ مرحلة صياغة العقد والاعتماد، من خلال تحديد آجال واقعية للشحن والتقديم وانتهاء الصلاحية، واختيار مكان مناسب لتقديم المستندات، ودراسة الحاجة إلى تعزيز الاعتماد عن طريق مصرف آخر، ومراعاة الظروف السياسية والتشغيلية للدول والمصارف ذات الصلة. ومن مجموع ما تقدم، يتضح أن الاعتماد المستندي لا يمثل مجرد وسيلة مصرفية لنقل الأموال بين المشتري والبائع، وإنما يقوم على بناء قانوني متكامل يهدف إلى تحقيق التوازن بين استقرار الوفاء وحماية المصالح المتعارضة لأطراف التجارة الدولية. فالبائع يحصل من خلاله على تعهد مصرفي مستقل يحد من اعتماده المباشر على ملاءة المشتري وإرادته في الوفاء، بينما يستطيع المشتري ربط الدفع بتقديم مجموعة محددة من المستندات التي تعكس من ظاهرها اتخاذ الإجراءات المتفق عليها بشأن البضاعة، في حين تتولى المصارف تنفيذ دورها على أساس موضوعي ومستندي دون أن تتحول إلى جهة تفصل في حقيقة تنفيذ عقد البيع أو في جودة البضائع محل الصفقة. وفي الوقت ذاته، فإن استقلال الاعتماد لا يعني انقطاع الصلة بينه وبين عقد البيع من الناحية الاقتصادية والوظيفية، إذ يظل التزام المشتري بفتح الاعتماد، متى اتفق عليه، جزءًا أساسيًا من آلية الوفاء بالثمن، وقد يؤدي الإخلال به إلى ترتيب وسائل قانونية لمصلحة البائع تتفاوت بحسب جسامة المخالفة والظروف المحيطة بها، من تعليق التنفيذ ومنح مهلة إضافية إلى الفسخ والتعويض. كما أن سلامة الاعتماد في التطبيق لا تعتمد على مجرد وجوده، بل تتوقف بصورة كبيرة على دقة صياغة شروطه، وواقعية المواعيد المحددة فيه، ومدى انسجام المستندات المطلوبة مع طبيعة الصفقة، وحسن إعداد تلك المستندات وفق UCP 600 والممارسة المصرفية الدولية المعيارية ISBP 821. وبذلك يظهر أن القيمة الحقيقية للاعتماد المستندي تكمن في قدرته على فصل مسار الوفاء المصرفي عن المنازعات العقدية دون أن يلغي الحقوق الناشئة عن عقد البيع، وفي إخضاع تنفيذ الالتزام المصرفي لمعيار مستندي واضح بدلًا من ربطه بالوقائع المادية التي قد يصعب على المصارف التحقق منها. ومن هنا استمر الاعتماد المستندي في أداء دور محوري في تمويل وتسوية التجارة الدولية، ليس لكونه يزيل جميع المخاطر التي تحيط بالصفقات العابرة للحدود، وإنما لأنه يعيد توزيع هذه المخاطر بصورة أكثر انضباطًا، ويضع لكل طرف نطاقًا محددًا من الالتزامات والحقوق، الأمر الذي يعزز الثقة والاستقرار واليقين القانوني في المعاملات التجارية الدولية.

المحامي محمود الدولة الحمداني

الحمداني للمحاماة والاستشارات القانونية
العودة إلى المقالات
الآثار القانونية لفتح الاعتماد المستندي في عقود البيع الدولي للبضائع