العودة إلى المقالات
التحكيم التجاري في العراق: متى يكون أنسب من اللجوء إلى القضاء؟

التحكيم التجاري في العراق: متى يكون أنسب من اللجوء إلى القضاء؟

مقال قانوني

يشهد العراق خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي والاستثماري، يرتبط بمشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والطاقة والاتصالات والإنشاءات، فضلًا عن تنامي الحاجة إلى استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية. ومع اتساع نطاق العلاقات التجارية وتعقّد العقود التي تحكمها، تتزايد بطبيعة الحال احتمالات نشوء منازعات تتجاوز في كثير من الأحيان الخلاف التجاري البسيط، لتشمل مسائل فنية ومالية وعقدية متشابكة، وقد تتصل بأكثر من دولة أو نظام قانوني أو طرف تعاقدي. ومن هنا لم يعد اختيار وسيلة تسوية النزاع مسألة إجرائية ثانوية تُترك لما بعد وقوع الخلاف، بل أصبح جزءًا من هندسة العقد وإدارة المخاطر القانونية منذ مرحلة التفاوض والصياغة. وإذا كان القضاء العراقي يمثل صاحب الولاية العامة والطريق الطبيعي للفصل في الخصومات، فإن التحكيم التجاري يوفر، في ظروف معينة، أداة أكثر ملاءمة لطبيعة بعض العلاقات التجارية، ولا سيما العقود الدولية والمشروعات الكبرى. ولذلك فإن السؤال الدقيق ليس ما إذا كان التحكيم أفضل من القضاء بصورة مطلقة، وإنما متى يكون كل منهما أكثر ملاءمة للمصلحة القانونية والاقتصادية للأطراف. حتى تاريخ إعداد هذا المقال في 31 أغسطس/آب 2026، لا يزال التنظيم التشريعي الأساسي للتحكيم في العراق قائمًا على أحكام الباب الثاني الخاص بالتحكيم من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل، ولا سيما المواد من (251) إلى (276)، ولم يدخل بعد قانون مستقل وحديث للتحكيم حيز النفاذ. ويجيز القانون الاتفاق على التحكيم في نزاع معين أو في المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين، في حين تقضي المادة (252) بأن اتفاق التحكيم لا يثبت إلا بالكتابة. وتكتسب المادة (253) أهمية عملية خاصة؛ لأنها تقرر أنه إذا اتفق الخصوم على التحكيم فلا يجوز رفع الدعوى أمام القضاء قبل استنفاد طريق التحكيم، لكنها تسمح للمحكمة بنظر الدعوى إذا أقامها أحد الطرفين ولم يعترض الطرف الآخر على مخالفة شرط التحكيم في الجلسة الأولى، إذ يعد شرط التحكيم عندئذ ملغى. أما المادة (254) فتضع القاعدة الأساسية المتعلقة بالقابلية للتحكيم، فلا يصح التحكيم إلا في المسائل التي يجوز فيها الصلح ومن شخص يملك أهلية التصرف في حقوقه. ومن ثم فإن قابلية النزاع للتحكيم لا تتحدد بمجرد كونه نزاعًا ذا قيمة مالية، وإنما بطبيعة الحق ذاته ومدى جواز التصرف فيه والصلح بشأنه. ويكشف التنظيم العراقي الحالي كذلك عن حضور قضائي واسع في العملية التحكيمية؛ فالمحكمة قد تتدخل عند تعيين المحكمين في الأحوال التي حددها القانون، ويُلزم المحكمون في الأصل باتباع الأوضاع والإجراءات المقررة في قانون المرافعات ما لم يتضمن اتفاق التحكيم أو اتفاق لاحق إعفاءهم منها صراحة أو تحديد إجراءات أخرى، كما يتطلب القانون الرجوع إلى المحكمة في بعض المسائل التي تحتاج إلى سلطة قضائية لا تملكها هيئة التحكيم. والأهم أن حكم التحكيم الصادر في العراق لا ينتقل مباشرة إلى دوائر التنفيذ بمجرد صدوره؛ إذ تنص المادة (271) على تسليم القرار مع أصل اتفاق التحكيم إلى المحكمة المختصة خلال الأيام الثلاثة التالية لصدوره، بينما تقرر المادة (272) عدم جواز تنفيذه لدى دوائر التنفيذ ما لم تصادق عليه المحكمة المختصة. كما تمنح المادتان (273) و(274) المحكمة سلطة إبطال الحكم في حالات متعددة، من بينها بطلان الاتفاق أو تجاوز حدوده أو مخالفة النظام العام أو وقوع خطأ جوهري في الحكم أو في الإجراءات المؤثرة في صحته، بل تجيز للمحكمة، بحسب الأحوال، أن تعيد القضية إلى المحكمين أو أن تفصل في النزاع بنفسها إذا كان صالحًا للفصل. ولذلك فإن التحكيم المنعقد في العراق في ظل التشريع الحالي يتمتع باستقلال إجرائي نسبي، لكنه يظل خاضعًا لرقابة قضائية أوسع من الرقابة المعروفة في كثير من قوانين التحكيم الحديثة. ومع ذلك، فإن الإطار التشريعي العراقي لم يبقَ ساكنًا. فمنذ عام 2021 دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي، جهود تطوير تشريع عراقي حديث للتحكيم يتقارب مع قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التحكيم التجاري الدولي والممارسات الدولية المعاصرة. وقد بلغ هذا المسار مرحلة تشريعية مهمة عندما أتم مجلس النواب العراقي في جلسته المنعقدة في 24 أغسطس/آب 2026 القراءة الأولى لمشروع قانون التحكيم، موضحًا أن الغاية منه إقامة نظام قانوني حديث ينسجم مع المعايير الدولية ويدعم الاستثمار ويحمي المصالح التجارية. إلا أن مجرد إتمام القراءة الأولى لا يجعل المشروع قانونًا نافذًا، ومن ثم يجب التمييز بدقة بين القانون القائم حاليًا وبين الاتجاه التشريعي المتوقع مستقبلًا، وعدم تطبيق أحكام المشروع على المنازعات القائمة كما لو كانت جزءًا من القانون النافذ. وتعزز المركز القانوني للتحكيم الدولي في العراق بصورة واضحة بعد انضمامه إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها. فقد أودع العراق وثيقة انضمامه في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليه في 9 فبراير/شباط 2022، مع ثلاثة تحفظات ذات أهمية مباشرة في التطبيق: الأول يتعلق بعدم تطبيق الاتفاقية على قرارات التحكيم الأجنبية السابقة للنطاق الزمني المحدد لانضمام العراق، والثاني قصر تطبيقها على القرارات الصادرة في إقليم دولة متعاقدة على أساس المعاملة بالمثل، والثالث قصرها على المنازعات الناشئة عن علاقات قانونية تعاقدية تعد تجارية وفق القانون العراقي. وهذه التحفظات تجعل مجرد صدور حكم تحكيمي أجنبي غير كافٍ بذاته للقول بإمكان تنفيذه في العراق استنادًا إلى الاتفاقية؛ بل ينبغي التحقق من تاريخ الحكم ودولة صدوره وطبيعة العلاقة التي نشأ عنها ومدى انطباق شروط الاتفاقية وموانع الاعتراف والتنفيذ عليها. ويختلف ذلك عن انضمام العراق إلى اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى، التي دخلت حيز النفاذ بالنسبة إلى العراق في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015. فهذه الاتفاقية لا تنظم التحكيم التجاري العادي بين الشركات والأفراد، وإنما تتصل بفئة مختلفة هي منازعات الاستثمار بين الدولة والمستثمرين الأجانب متى توافرت شروط اختصاص المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ورضا الأطراف بالتحكيم. ولهذا ينبغي عدم الخلط بين التحكيم التجاري، الذي يستند في الأصل إلى علاقة تعاقدية تجارية بين أطرافها، وبين تحكيم الاستثمار الذي يقوم على أسس اختصاصية وقانونية مختلفة. وفي ضوء هذا الإطار، تظهر أفضلية التحكيم بصورة أوضح عندما يكون النزاع شديد التعقيد من الناحية الفنية أو مرتبطًا بعقود ومشروعات تحتاج إلى خبرة تخصصية لا تقتصر على المعرفة القانونية المجردة. ففي عقود الإنشاءات الكبرى والهندسة والطاقة والنفط والغاز والبنى التحتية، قد يرتبط النزاع بتفسير مواصفات هندسية أو برامج زمنية أو أوامر تغيير أو مطالبات تأخير وتمديد مدة أو تقييم أعمال إضافية أو مسائل محاسبية وفنية دقيقة. وفي مثل هذه المنازعات تمنح إمكانية اختيار المحكمين الأطراف فرصة لتشكيل هيئة تمتلك خبرة عملية وقانونية مناسبة لطبيعة المشروع، بدل ترك تكوين الجهة الفاصلة في النزاع لنظام الاختصاص القضائي العام. ولا يعني ذلك أن القضاء غير قادر على التعامل مع المسائل الفنية، إذ يمكنه الاستعانة بالخبراء، وإنما يكمن الفارق في أن الخبرة التخصصية يمكن أن تدخل في صميم تكوين هيئة الفصل نفسها منذ البداية. ويزداد وزن التحكيم عندما تكون العلاقة ذات طابع دولي ويبحث الأطراف عن بيئة محايدة لإدارة النزاع. فالتحكيم الدولي يتيح، في الحدود التي يسمح بها القانون الواجب التطبيق، الاتفاق على مكان التحكيم ولغته والقواعد الإجرائية والمؤسسة التحكيمية وتشكيل الهيئة، وقد يتيح كذلك اختيار قانون يحكم العلاقة العقدية وفق قواعد القانون الدولي الخاص والقواعد الآمرة ذات الصلة. وتكمن قيمة هذه المرونة في أنها تقلل عدم اليقين الذي قد يشعر به الطرف الأجنبي تجاه التقاضي أمام محاكم دولة الطرف الآخر، وتسمح للأطراف ببناء آلية تسوية نزاع تتناسب مع طبيعة الصفقة. كما أن بعض الأنظمة المؤسسية الحديثة تتيح، بشروط محددة، ضم أطراف إضافية أو توحيد إجراءات مرتبطة ببعضها، وهي أدوات قد تكون ذات فائدة في المشروعات التي تتداخل فيها عقود المالك والمقاول الرئيس والمقاولين الثانويين والممولين والموردين. غير أن هذه المرونة ليست مطلقة، إذ يظل أساس سلطة هيئة التحكيم هو رضا الأطراف، ولا يجوز افتراض إمكان إلزام طرف لم يوافق على التحكيم أو ضم إجراءات مستقلة من دون سند في الاتفاق والقواعد المختارة والقانون الواجب التطبيق. أما السرية، التي كثيرًا ما تقدم بوصفها من المزايا الجوهرية للتحكيم، فينبغي تناولها بحذر قانوني. فقانون المرافعات المدنية العراقي لا يقرر قاعدة عامة تجعل جميع إجراءات التحكيم وأحكامه سرية بصورة تلقائية. وقد تتحقق درجة مرتفعة من الخصوصية من خلال اتفاق الأطراف أو القواعد المؤسسية التي اختاروها أو التزامات السرية المقررة في القانون الواجب التطبيق، لكن لا يصح القول إن مجرد اختيار التحكيم يكفل «سرية كاملة». وفي المقابل، فإن الأصل في المرافعات القضائية هو العلانية ضمن الحدود التي يقررها القانون، لكن ذلك لا يبرر أيضًا التوسع في القول إن جميع ملفات المحاكم وسجلاتها متاحة دون قيد للجمهور. وعلى هذا الأساس يكون التوصيف الأدق أن التحكيم يمنح الأطراف قدرة أكبر على تنظيم خصوصية النزاع، لا أن السرية أثر حتمي ملازم له. ولا تقل مسألة الوقت أهمية في اختيار وسيلة الفصل. فقد نصت المادة (262) من قانون المرافعات على أنه إذا لم يشترط الأطراف مدة لإصدار قرار المحكمين وجب إصداره خلال ستة أشهر من تاريخ قبولهم التحكيم، مع أحكام خاصة بالتمديد والحالات التي توقف أو تمد المدة. وهذا يتيح للتحكيم من الناحية النظرية إطارًا زمنيًا أكثر قابلية للضبط من التقاضي متعدد الدرجات. لكن من الخطأ تحويل ذلك إلى قاعدة مفادها أن التحكيم أسرع دائمًا؛ فالمنازعات التجارية الكبرى قد تستغرق وقتًا طويلًا بسبب حجم المستندات والخبرات وسماع الشهود والطلبات العارضة وتعدد الأطراف، كما أن الحكم الصادر في تحكيم مقره العراق يحتاج بعد صدوره إلى المرور بإجراءات التصديق القضائي قبل التنفيذ. ومن ثم تقاس السرعة بالمسار الكامل للنزاع منذ بدايته حتى الوصول إلى نتيجة قابلة للتنفيذ، لا بعدد الأشهر التي تستغرقها هيئة التحكيم في إصدار حكمها فحسب. وفي المقابل، توجد حالات يكون فيها القضاء العراقي أكثر ملاءمة من التحكيم. فالمطالبة التجارية المحلية ذات القيمة المحدودة، التي يكون طرفاها وأموالهما ومحل تنفيذ العقد موجودين في العراق، قد لا تبرر تحمل رسوم مؤسسة تحكيم وأتعاب محكمين وخبراء ومصاريف إدارية وقانونية إضافية. ففي مثل هذه الحالات قد يكون القضاء أقل تكلفة وأكثر عملية، ولا سيما إذا لم يكن النزاع معقدًا فنيًا ولا يتطلب بيئة دولية محايدة. كما يتمتع القضاء بميزة جوهرية عندما تكون الحاجة الأساسية هي الحصول بسرعة على إجراء تنفيذي أو تحفظي يمس الأموال أو الأصول؛ لأن المحكمة تمتلك سلطة الدولة في إصدار الأوامر التي يمكن تنفيذها جبريًا، بينما لا يتضمن التنظيم العراقي الحالي للتحكيم نظامًا تشريعيًا حديثًا ومتكاملًا للتدابير المؤقتة التي تصدرها هيئة التحكيم وتنفيذها على نحو مستقل. وقد تخول قواعد تحكيم دولية معينة الهيئة سلطة إصدار تدابير وقتية، لكن فاعلية هذه التدابير، وخصوصًا تجاه الغير أو عند الحاجة إلى التنفيذ الجبري داخل العراق، قد تجعل تدخل القضاء أمرًا لا غنى عنه. ويظل القضاء كذلك المسار الواجب عندما يكون موضوع النزاع غير قابل للتحكيم. فالمعيار الذي تقرره المادة (254) هو جواز الصلح في الحق محل النزاع وتوافر أهلية التصرف فيه، وبذلك لا يجوز إحالة الحقوق الخارجة عن نطاق التصرف أو الصلح إلى التحكيم لمجرد اتفاق الأطراف. وينبغي في هذا المجال تجنب التعميم؛ فليس صحيحًا مثلًا وصف جميع منازعات العمل بأنها غير قابلة للتحكيم، لأن قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 ينظم صراحة التحكيم في بعض المنازعات الجماعية المتعلقة بالمصالح المستقبلية. ولذلك يجب تحديد قابلية كل فئة من المنازعات للتحكيم بالرجوع إلى النصوص الخاصة التي تحكمها، لا بالاعتماد على تصنيفات عامة. وتظهر حساسية الاختيار بصورة أكبر في العقود العامة التي تكون جهة حكومية طرفًا فيها. فقد جاءت تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم (1) لسنة 2025، المنشورة في الوقائع العراقية، بتنظيم أكثر تحديدًا لمسألة تسوية المنازعات. ووفق المادة (35)، يمكن اللجوء إلى التحكيم الوطني وفق الضوابط والشروط المقررة، أما اختيار التحكيم الدولي من قبل جهة التعاقد فقد ربطته التعليمات بحالات الضرورة والمشروعات الاستراتيجية الكبرى أو المهمة، وبكون أحد طرفي العقد أجنبيًا، مع اشتراط الحصول على موافقة مجلس الوزراء، واختيار إحدى مؤسسات التحكيم الدولية المعتمدة، وتحديد مكان التحكيم ولغته، واعتماد القانون العراقي قانونًا واجب التطبيق، وتوافر الخبرة المؤهلة لدى جهة التعاقد أو الاستعانة بجهة مختصة، فضلًا عن إعلام وزارة العدل/الدائرة القانونية. ومن ثم فإن وجود جهة حكومية لا يعني استبعاد التحكيم تلقائيًا، كما أن وجود شرط تحكيم دولي في مشروع حكومي لا يعني نفاذه دون مراعاة القيود والموافقات التي يقررها النظام القانوني المنظم للعقد. وهذه مسألة ينبغي فحصها عند صياغة العقد نفسه، لأن اكتشاف خلل في الموافقات بعد نشوء النزاع قد يخلق إشكالًا في صحة الشرط أو فاعليته في الوقت الذي يكون فيه الطرفان أحوج ما يكونان إليه. وتختلف كذلك سهولة التنفيذ بحسب نوع الحكم والأصول التي يستهدفها الدائن. فالحكم القضائي الصادر عن محكمة عراقية مختصة، متى أصبح صالحًا للتنفيذ، يسلك طريقه داخل النظام التنفيذي الوطني من دون الحاجة إلى مرحلة الاعتراف بحكم أجنبي. أما حكم التحكيم العراقي فيتطلب التصديق القضائي المشار إليه سابقًا، في حين يخضع حكم التحكيم الأجنبي لشروط الاعتراف والتنفيذ، وبالأخص قواعد اتفاقية نيويورك عندما تكون منطبقة. لذلك قد يكون القضاء أكثر عملية عندما يكون المدين وأمواله موجودين بالكامل في العراق، بينما تكون قابلية حكم التحكيم للتنقل والتنفيذ عبر الحدود ميزة شديدة الأهمية عندما تتوزع أصول المدين على دول مختلفة أعضاء في اتفاقية نيويورك. وقد ظهرت أهمية النطاق الزمني لاتفاقية نيويورك في القضاء العراقي بصورة عملية في قرار الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية رقم (263/الهيئة الموسعة المدنية/2025) الصادر في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. فقد تناول القرار حكم تحكيم أجنبيًا صادرًا في لندن بتاريخ 3 سبتمبر/أيلول 2021، وقررت المحكمة أن الاتفاقية لم تكن قد دخلت حيز النفاذ بالنسبة إلى العراق في ذلك التاريخ، إذ أصبح نفاذها في 9 فبراير/شباط 2022 بعد إيداع وثيقة الانضمام وانقضاء المدة التي تحددها الاتفاقية. وبذلك لم تعامل المحكمة الحكم السابق لذلك التاريخ باعتباره مشمولًا مباشرة باتفاقية نيويورك. وتبرز أهمية هذا القرار في أنه يحول مسألة التاريخ من نقاش نظري إلى معيار تطبيقي فعلي يجب التحقق منه عند دراسة أي ملف تنفيذ لحكم تحكيم أجنبي داخل العراق. وتزداد المسألة تعقيدًا عندما يكون التنفيذ موجهًا إلى أموال الدولة أو جهات عامة. فالمادة (62) من قانون التنفيذ رقم (45) لسنة 1980 تضع ضمن الأموال التي لا يجوز حجزها أو بيعها لقاء الدين أموال الدولة، الأمر الذي يعني أن الحصول على حكم قضائي أو تحكيمي ضد جهة حكومية لا يساوي تلقائيًا القدرة على التنفيذ على كل أصل مرتبط بها. وينبغي هنا الفصل بين ثلاث مسائل مستقلة: اختصاص الجهة التي فصلت في النزاع، وصحة الاتفاق على التحكيم إن وجد، وقابلية الأصل المطلوب التنفيذ عليه للحجز. كما أن تحديد الوضع القانوني لأموال الشركات العامة أو الأشخاص المعنوية العامة يحتاج إلى فحص التشريع المنظم لكل جهة وطبيعة ملكيتها وأموالها، ولا يصح افتراض أن كل مال يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولة يخضع حكمًا للقاعدة نفسها دون تحليل قانوني مستقل. أما إذا كانت الأصول المطلوب التنفيذ عليها موجودة في إقليم كردستان، فقد تظهر مسائل عملية وقانونية إضافية تتعلق بالجهة المختصة بالتنفيذ والإجراءات الواجبة التطبيق وطبيعة الشخص المالك للأصل والعلاقة بين التشريعات الاتحادية والإقليمية. إلا أن هذه الإشكالات التنفيذية يجب ألا تختلط بمسألة الاختصاص الدستوري بإبرام المعاهدات الدولية؛ إذ تنص المادة (110) من الدستور العراقي على اختصاص السلطات الاتحادية حصريًا برسم السياسة الخارجية والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوقيع عليها وإبرامها. ومن ثم فإن البحث الأدق في الحالات المرتبطة بإقليم كردستان ينصب على التطبيق والاختصاص والتنفيذ وطبيعة الأصول، لا على إطلاق افتراض عام بأن الاتفاقيات الدولية التي تنضم إليها جمهورية العراق لا تسري في الإقليم. ومن التطورات القضائية المهمة التي تؤكد القيمة العملية لشرط التحكيم قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم (2603/الهيئة الاستئنافية منقول/2025) الصادر في 3 يوليو/تموز 2025، الذي قرر مبدأ مؤداه أن الدعوى تكون سابقة لأوانها وواجبة الرد إذا أقيمت قبل استنفاد شرط التحكيم المتفق عليه بين الطرفين. ويعكس هذا الاتجاه أن شرط التحكيم، متى كان صحيحًا وتمسك به الطرف في الوقت المناسب، ليس مجرد عبارة تعاقدية شكلية، وإنما يرتب أثرًا إجرائيًا مباشرًا على قابلية الدعوى للنظر أمام القضاء. وتظهر خطورة إهمال هذا الأثر بصورة أوضح في النزاع المعروف بقضية Iraq Middle Market Development Foundation v. Harmoosh . فقد أقرضت المؤسسة مبلغ مليوني دولار إلى شركة عراقية، وضَمِن محمد هرموش سداد القرض، وكان العقد يتضمن شرطًا يقضي بتسوية المنازعات عن طريق التحكيم في الأردن. وبعد مسار سابق أمام القضاء الأمريكي، أقامت المؤسسة في عام 2014 دعوى أمام محكمة البداءة المختصة بالدعاوى التجارية في بغداد، وصدر حكم لمصلحتها بمبلغ مليوني دولار فضلًا عن المصاريف، ثم أُيد الحكم في درجات الطعن العراقية. وعندما انتقل النزاع لاحقًا إلى المحاكم الأمريكية بشأن الاعتراف بالحكم العراقي، برز السؤال عما إذا كان هرموش قد احتفظ بحقه في التمسك بالتحكيم أم فقده بسبب عدم إثارته في الوقت المناسب أمام القضاء العراقي. والمهم في هذه القضية أن حكم محكمة الاستئناف الفيدرالية الأمريكية للدائرة الرابعة الصادر في 13 يناير/كانون الثاني 2020 لم يحسم بأن هرموش تنازل فعليًا عن التحكيم ؛ بل قرر أنه إذا ثبت أنه لم يتمسك بحق التحكيم قبل صدور الحكم النهائي العراقي فإنه يكون قد فقد ذلك الحق، لكنه وجد أن الأدلة كانت متعارضة بشأن ما إذا كان الدفع بالتحكيم قد أثير بالفعل أثناء المرافعات العراقية، ولذلك نقض الحكم وأعاد القضية لمواصلة النظر في هذه المسألة الواقعية. وتنسجم أهمية القضية مع حكم المادة (253) من قانون المرافعات العراقي: الحق في التحكيم يحتاج إلى ممارسة إجرائية في الوقت الصحيح، ولا يكفي وجود الشرط مكتوبًا داخل العقد إذا تصرف صاحبه بعد نشوء النزاع على نحو يؤدي إلى سقوط أثره. وتقود هذه الاعتبارات مجتمعة إلى أن المفاضلة بين التحكيم والقضاء لا يمكن بناؤها على الشعارات الشائعة من قبيل أن التحكيم أسرع دائمًا أو أكثر سرية أو أن القضاء أقل كفاءة في النزاعات التجارية. ففي العلاقة التجارية المحلية البسيطة، التي تكون قيمتها محدودة وأطرافها وأصولها داخل العراق ولا تتطلب خبرة فنية استثنائية، قد يكون القضاء الوطني أكثر اقتصادًا ووضوحًا وسهولة في التنفيذ. أما إذا كان العقد يتصل بمشروع استثماري كبير أو إنشاءات معقدة أو نشاط نفطي أو بنية تحتية أو أطراف من دول متعددة، وكانت هناك حاجة إلى هيئة ذات خبرة تخصصية ومكان محايد وإجراءات قابلة للتكييف مع طبيعة النزاع وإمكان تنفيذ الحكم خارج دولة واحدة، فقد يكون التحكيم الدولي أكثر ملاءمة. وبين الحالتين توجد مساحة واسعة لا يمكن حسمها إلا بتحليل طبيعة الصفقة وقيمة النزاع ومكان الأصول وهوية الأطراف ومدى الحاجة إلى تدابير تحفظية وكلفة كل مسار والقانون الذي سيحكم العلاقة ومخاطر الاعتراف والتنفيذ. وتبدأ الإدارة السليمة لهذه المخاطر قبل نشوء الخصومة، عند صياغة بند تسوية المنازعات. فشرط التحكيم الجيد لا ينبغي أن يقتصر على عبارة عامة من قبيل «تحل المنازعات عن طريق التحكيم»، وإنما ينبغي أن يحدد بصورة منضبطة نطاق المنازعات المشمولة، وعدد المحكمين، وطريقة تعيينهم، ومكان التحكيم، ولغته، والقواعد أو المؤسسة التي ستديره عند اختيار التحكيم المؤسسي، والقانون الواجب التطبيق على العلاقة، مع مراعاة القواعد الآمرة والموافقات المطلوبة في العقود العامة. كما ينبغي قبل اعتماد الشرط إجراء ما يمكن وصفه بـ«اختبار التنفيذ»: أين توجد أصول الطرف الآخر؟ وهل الحكم المتوقع قابل للتنفيذ في تلك الدولة؟ وهل توجد حصانة أو حماية قانونية لبعض الأموال؟ وهل اتفاقية نيويورك منطبقة؟ وما الإجراءات التي ستسبق التنفيذ؟ فالقيمة الحقيقية لحكم قضائي أو تحكيمي لا تقاس بقوة أسبابه وحدها، وإنما بقدرته في نهاية المطاف على تحويل الحق المثبت فيه إلى نتيجة قانونية واقتصادية قابلة للتحقق. وعليه، فإن التحكيم التجاري في العراق لا يمثل بديلًا مطلقًا عن القضاء، كما أن القضاء لا يمثل عائقًا أمام التحكيم؛ بل يقوم النظام الفعال لتسوية المنازعات على تكامل الدورين. فالقضاء يظل صاحب سلطة الدولة في الحماية الوقتية والتنفيذ والرقابة ضمن الحدود التي يرسمها القانون، بينما يسمح التحكيم للأطراف، عندما تلائم طبيعة العلاقة ذلك، ببناء مسار أكثر تخصصًا ومرونة وحيادًا. ومن ثم فإن القرار القانوني الرشيد لا يبدأ بالسؤال: «أيهما أفضل، القضاء أم التحكيم؟»، وإنما بالسؤال الأدق: أي المسارين يمنح هذه العلاقة تحديدًا أفضل مزيج من الخبرة والوقت والكلفة والمرونة وقابلية التنفيذ وإدارة المخاطر؟ وعندما يطرح السؤال بهذه الصورة، يصبح اختيار وسيلة تسوية المنازعات جزءًا من الاستراتيجية القانونية للعقد، لا مجرد إجراء يُفكر فيه بعد أن يكون النزاع قد وقع بالفعل.

المحامي محمود الدولة الحمداني

الحمداني للمحاماة والاستشارات القانونية
العودة إلى المقالات
التحكيم التجاري في العراق: متى يكون أنسب من اللجوء إلى القضاء؟